كلمة العدد: ريمينار غاليري.. ما ينفع الناس والوطن

صحيفة الهدف

في زمن الحرب لا يكون الفن مجرد ممارسة جمالية، بل يتحوّل إلى وثيقةٍ مقاومة تحفظ ما لا تستطيع الوقائع الباردة والمتشاكسة أن تقوله..
في التجربة السودانية الراهنة، يتقدّم المشهد التشكيلي بوصفه ذاكرةً بصرية للأزمة، تُمسك بتفاصيل النزوح والخوف والدمار، وفي الوقت نفسه تلتقط لحظات الصمود الإنساني في أقصى درجات الانكسار.
وعند الحديث عن وثائق المقاومة لا بدّ أن تتقدّم تجربة ريمينار غاليري بوصفها مساحة تتجاوز العرض الفني إلى فعل التوثيق، حيث تصبح اللوحة شهادة، ويغدو اللون أثرًا حيًا لزمنٍ يشتعل ولا يهدأ.
لا تنتمي هذه التجربة إلى النموذج التقليدي للمؤسسات الفنية التي تُدار من مركز واحد أو عبر هرم إداري ثابت، بل تقوم على بنية جماعية وتشاركية، تتداخل فيها أدوار فنانين تشكيليين وفاعلين ثقافيين مستقلين ضمن صيغة أقرب إلى الورشة المفتوحة منها إلى المؤسسة المغلقة. هذا الشكل من التنظيم لم يأتِ كخيار نظري، بل كاستجابة مباشرة لواقعٍ مضطرب فرض على الفعل الثقافي أن يعيد تعريف أدواته كي يستمر.
في هذا السياق، تتوزّع إدارة المشروع ومبادراته على شبكة من الأدوار المتداخلة، تبدأ بالمجموعة التشكيلية المؤسِّسة التي تتولى قيادة العمل الميداني والافتراضي، عبر لجان فنية من شباب التشكيليين الذين لا يكتفون بدور التنفيذ، بل يشتغلون بوصفهم منسقين فنيين يعيدون بناء المعنى البصري لكل معرض، ويصوغون سرديته الداخلية بما يمنحه هوية مستقلة.
وفي ظل واقع أمني معقّد يفرض شروطه على كل تفصيل، تعمل هذه المنظومة التشاركية وفق منطق الحذر والمسؤولية، حيث يُكتفى في بعض الحالات بإخفاء الأسماء الكاملة لبعض الفاعلين حفاظًا على سلامتهم وضمانًا لاستمرار النشاط الثقافي. هذا الغياب الظاهري ليس انسحابًا من المشهد، بل شكل من أشكال الحضور المشروط بضرورات البقاء.
ضمن هذا الإطار، ينهض الغاليري كمساحة لعرض الأعمال، ويتحوّل إلى بنية فكرية ترى في الفن مشروعًا مقاومًا للانقطاع، ومجالًا لإعادة إنتاج المعنى في لحظة انهيار. فالتجربة هنا لا تفصل بين التنظيم والإبداع، بين الإدارة واللوحة، بل تجعل من طريقة الاشتغال نفسها جزءًا من العمل الفني، حيث يصبح التشارك والتوزيع وإعادة التكوين عناصر جمالية بقدر ما هي أدوات تنظيمية.
وفي قلب هذه التجربة، يبرز ريمينار غاليري، لا يسجل الحدث فحسب، بل يعيد تشكيله بصريًا ووجدانيًا. اللوحات لا تكتفي بتوثيق النزوح والخوف والدمار، بل تلتقط أيضًا ما هو أعمق.. قدرة الإنسان على الاستمرار رغم الانهيار، وعلى تحويل الألم إلى لغة قابلة للرؤية.
هكذا تتجاوز التجربة فكرة “المعرض” التقليدي لتقترب من مفهوم الذاكرة البصرية الممتدة، حيث تتراكم الأعمال لتشكّل أرشيفًا مفتوحًا للحظة السودانية الراهنة، بكل تناقضاتها وحدّتها. وفي هذا السياق، يصبح شعار “تستمر ونستمر” الذي تتخذه المجموعة أكثر من عبارة رمزية؛ إنه صياغة مكثّفة لفلسفة كاملة ترى في الاستمرار فعل مقاومة قبل أن يكون خيارًا ثقافيًا.
وفي مستوى آخر، يتشكّل حضور الغاليري كصوتٍ بصري يتجاوز الحدود المحلية، حيث تتحوّل الريشة إلى أداة خطاب، واللون إلى رسالة موجهة للعالم. إنها محاولة لإيصال ما يحدث بلغة لا تحتاج إلى ترجمة، بل تُفهم مباشرة عبر أثرها الإنساني.
إن ما تقدّمه هذه التجربة لا يتوقّف عند حدود الفن التشكيلي، بل يمتد إلى إعادة تعريف معنى المؤسّسة الثقافية في زمن الحرب.. كيف يمكن للثقافة أن تستمر دون مركز ثابت، وكيف يتحوّل التنظيم نفسه إلى جزء من الإبداع، وكيف يصبح الشتات شبكة حياة بدل أن يكون علامة غياب.
في زمن تتضخّم فيه الفوضى الإعلامية ويختلط فيه العميق بالسطحي، تبرز الحاجة إلى إعادة توجيه الفضاء الميديائي والإسفيري نحو ما ينفع الناس والوطن، ويُسهم في بناء الوعي والمعرفة والجمال، بدل الانزلاق إلى الضجيج والغثّ والسطحي. فالميديا ليست مجرد مساحة بث، بل مسؤولية في تشكيل المعنى، إما أن ترتقي بالوعي، أو تتركه يتآكل في الفراغ…
وتجربة ريمينار غاليري قد نجحت في أن تضع هذا المعنى في مكانه الصحيح: في خدمة الإنسان، والوطن، والحياة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.