المسكوت عنه

صحيفة الهدف

د. ستنا بشير

#ملف_المرأة_والمجتمع

فاجأها إحساس الغثيان الصباحي، للحظة تساءلت هل هو طعام فاسد تناولته، أم عدوى من نوع آخر؟ ولكن لا.. بدا مألوفًا، عايشته من قبل خلال تجربتين سابقتين. لحظة إدراك، وطار النوم من عينها، اسودت الدنيا أمامها..

يبدو أن فاجعة ذلك اليوم لم يكفها الدمار الذي أحدثته فيها.. كانت تعيش في واحدة من المناطق التي اشتعلت فيها الحرب باكرًا، الرعب، أصوات الرصاص والقذائف والطائرات الحربية.. ونزحت كما الآلاف، لمسقط رأسها.. البيوت الضيقة والمكتظة، وبصحبتها طفلين يضجان بالحياة، والحرب لا تريد أن تتوقف. وما بين الأمرّين؛ اختارت العودة من النزوح.. تحمل طفليها وتبحث لهما عن ملاذ آمن.. وحدها تحمل هم توفير الأمان لهما، منذ انفصالها عن والدهما.

أين تذهب وماذا تفعل، توفي والدها وهي طفلة، وتزوجت أمها وكونت أسرة أخرى.. وكان أن التقطتها أعين الذئاب البشرية.. ولم تجد من يحميها ويدافع عنها، لم ينقذها أحد.. لملمت جراحها وهربت بعيدًا.. لتتفاجأ اليوم بالاكتشاف المروّع.. ويا لهول الصدمة، وعظم المصيبة التي حلت بها! انهارت وبكت وأصابها الهم والقلق.. ولأنها أم، تمالكت نفسها، وأجبرت عقلها على التفكير بشكل منطقي.. ما الحل.. وكيف تتصرف؟ وكانت الإجابة هي إجهاض الجنين الذي ينمو في أحشائها.. حاولت، ولكنها لم تستطع، خافت أن تقتل روحًا بريئةً.. حملت طفليها ومصيبتها، ورحلت مرة أخرى حيث لا يعرفها أحد.. ووضعتها؛ طفلة تحمل ملامح الشيطان، وتذكرها بذلك اليوم الأسود.. لم تستطع أن ترضعها، ولا حتى أن تحضنها.. غذتها بالحليب الصناعي. سألتها الداية التي ساعدتها على الولادة، عن اسم المولودة، بعد شهرين، ولم تحر جوابًا، لأنها لم تسمِّها بعد..

ضاقت بها الحياة، ولم تعلم ما تفعل.. كم سيطول عذابها، وكيف تعيش، وحتى متى تستطيع أن تحفظ الأمر سرًا؟

سألت أهل الاختصاص، وأخبروها أنها أخطأت حين لم تجهضها، فالقانون يمنحها حق الإجهاض خلال الأشهر الأولى.. وبماذا يفيد اللوم الآن؟ ما العمل؟

هل تضعها في دار رعاية، ربما تجد من يمنحها الحب والاهتمام الذين تستحقهما؟ أم تتحمل مسؤولية خيارها، وتربيها مع طفليها؟ وهل تستطيع؟ وكيف ستواجه المجتمع ووصمته وأحكامه؟

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.