غربة!!

صحيفة الهدف

أنوار الخزرجي
قاصة من العراق

غريبان التقيا على ضفاف غربتيهما.. هو مغترب جسديًا، مقاتل مهاجر، أبعدته أوضاع بلده عن أرضه ومستقره ودياره، وهي ذات نفس أبية أنفت الانسياق إلى ما آل إليه الوضع فأصبحت غريبة في ديارها..
جمعتهما الغربة، فتلاقت أرواحمهما لقاء نقيًا متساميًا.
بثته شجونها، وبثها أسراره.. ألفت صحبته وأصبح جزءً من حياتها لا يمكن التنازل عنه، فعناق الأرواح المتسامية لا يشبهه شيء في هذه الدنيا المادية المتصدئة..
جمعتهما بدايات غربة مريرة، رويدًا رويدًا عرف أحدهما مكامن غربة صاحبه.. يومًا عنفته على كلام بدر منه، فرد عليها:
– ليش تقرعيني.. ما عندي غيرج!!
ربما أحست الصدق بين ثنايا كلامه، رغم غرابة عبارته!!
لماذا؟ وكيف؟ وأين أهله؟ أين عائلته؟
لم تكن تعرف عنه شيئًا حينها.. لكن رويدًا رويدًا بدأ يبثها شجونه، فعرفت غربته، بل أحستها إحساس من عايش نفس الظروف، وإن اختلفت السبل!!
هائمة في آلامها كانت قد بثته قبلًا شجون ومرارة وضعها الصعب في بلد اختل توازن كل شيء فيه..
متشابهان في الغربة.
متعادلان في البوح، ربما كان فيض المشاعر، الذي يربطهما غزيرًا رغم غرابته..
هائمان في بحر لجي تمتزج فيه الآمال بالآلام، تعشقت خلجاتها خلجاته وسبرت بروح المرأة دواخله، التي يصر على كتمانها.. فمضيا، روحان غادرتا الأجساد وتعانقتا في علياء المجد!!
يومًا أدركت أن غربتها لا بد وأنها ستزداد مع مرور الزمن.. يومًا سيعود المهاجر إلى بلده وينغمس في حياة طبيعية مستقرة، تاركًا إياها في غربة نفسها الأبية، وعنفوانها، الذي لا يقهر، فغربة الجسد لا بد أن تنتهي يومًا بالعودة إلى الديار أو بالاطمئنان إلى موئل آخر، لكن غربة الروح تقض المضاجع بعنف أكبر، واحتماليات نهايتها أقل بكثير!
غادرها أخيرًا بعد أن اطمأنت نفسه بالعودة إلى الديار بعد تغير الأوضاع، واستقرار نسبي تعيشه منطقته. تركها على شفير الغربة، تعاني وحدها لتزداد عليها غربة الروح بالفجوة، التي أحدثها غيابه!!

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.