الرياضة والسياسة ملعب واحد ومرآة لواقعنا العربي

صحيفة الهدف

طارق عبد اللطيف ابوعكرمة

قد تبدو الرياضة في ظاهرها مجرد لعبة، فريق يفوز وآخر يخسر، جمهور يفرح وآخر يحزن. لكن الحقيقة أن ما يحدث داخل الملعب يرتبط كثيراً بما يجري خارجه. الرياضة ليست معزولة عن المجتمع، بل هي مرآة تعكس حاله – سياسياً واقتصادياً وثقافياً.
في السودان، كما في كثير من الأقطار العربية، نرى كيف تتأثر الرياضة بالوضع السياسي. عندما تكون الدولة مستقرة، نجد الدوريات منتظمة، والملاعب ممتلئة، واللاعبين يتطورون. أما في أوقات الأزمات، تتوقف البطولات، تتدهور البنية التحتية، ويهاجر اللاعبون بحثاً عن فرص أفضل. هنا ندرك أن الرياضة لا تزدهر إلا في بيئة مستقرة وآمنة.
ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في السودان خلال السنوات الأخيرة، حيث أثّرت الحرب اللعينة، والأزمات السياسية بشكل مباشر على استمرارية المنافسات، وعلى حضور الجماهير، بل وحتى على مسيرة اللاعبين أنفسهم. هذا الواقع يوضح أن الرياضة ليست بعيدة عن الاستقرار، بل تعتمد عليه بشكل أساسي.
لكن العلاقة لا تسير في اتجاه واحد فقط. كما تؤثر السياسة على الرياضة، يمكن للرياضة أيضاً أن تؤثر على المجتمع والسياسة. فهي تخلق لحظات نادرة من الوحدة، يتجاوز فيها الناس خلافاتهم اليومية. حين يلعب المنتخب الوطني، لا يسأل المشجع عن انتماء الآخر، بل يقف معه في صف واحد. هذه ليست مجرد مشاعر عابرة، بل تعبير عن حاجة عميقة للوحدة، تكشفها الرياضة أكثر مما تصنعها.
في الوطن العربي، شهدنا مواقف كثيرة أصبحت فيها الرياضة مساحة للتعبير الشعبي. الجماهير في المدرجات لا تشجع فقط، بل تعبّر أحياناً عن همومها وآمالها. الأغاني والهتافات قد تحمل رسائل تتجاوز كرة القدم، لتصل إلى قضايا الحرية والعدالة والكرامة. وهنا تتحول الرياضة إلى صوت للمجتمع، خاصة عندما تضيق مساحات التعبير الأخرى.
وفي بعض الحالات، أصبحت الملاعب مساحة بديلة للتعبير، خاصة لدى الشباب، حيث تتحول المدرجات إلى منبر يعكس نبض الشارع، ويعبّر عن قضايا قد لا تجد طريقها بسهولة إلى المنابر الرسمية.
أما على المستوى العالمي، فالأمر أوضح وأكثر تعقيداً. الرياضة أصبحت جزءاً من (القوة الناعمة) للدول، حيث تُستخدم لتحسين الصورة، وبناء النفوذ، وكسب احترام الشعوب. تنظيم البطولات الكبرى لم يعد مجرد حدث رياضي، بل رسالة سياسية وثقافية تعكس مكانة الدولة وقدرتها على التأثير.
لكن في المقابل، يجب الحذر من استغلال الرياضة بشكل سلبي. حين تتحول إلى أداة للانقسام أو التعصب، فإنها تفقد دورها الإيجابي. الرياضة الحقيقية تقوم على التنافس الشريف والاحترام المتبادل، لا على الكراهية أو الإقصاء. لأن التعصب الرياضي، حين يتغذى على الانقسام السياسي أو الاجتماعي، قد يتحول من منافسة إلى صراع، ومن تشجيع إلى توتر يهدد تماسك المجتمع.
لذلك، نحن بحاجة إلى فهم أعمق لدور الرياضة في حياتنا. ليست مجرد ترفيه، بل وسيلة لبناء الوعي، وتعزيز الانتماء، ونشر القيم الإيجابية. يمكن للمدرسة والجامعة والنادي أن تلعب دوراً في ترسيخ هذه المفاهيم، حتى يصبح التشجيع سلوكاً حضارياً، والمنافسة وسيلة للتطور لا للصراع.
في النهاية، الرياضة والسياسة يلتقيان في نقطة واحدة، وهي الإنسان. وإذا كانت السياسة تدير حياة الناس، فإن الرياضة تكشف حقيقتهم. في لحظة هدف، أو خسارة، أو تشجيع، يظهر الوجه الحقيقي للمجتمع، هل هو متسامح أم منقسم؟ واعٍ أم منقاد؟
لذلك، يبقى السؤال الأهم، هل نريد الرياضة مجرد مباراة؟ أم نريدها مساحة نبني فيها وعياً جديداً؟ لأن الملعب ليس بعيداً عن الواقع، بل هو صورته الأكثر صدقاً. الملعب ليس بعيداً عن الواقع، بل هو جزء منه.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.