أمجد السيد
في كل دورة انتخابية داخل نادي الهلال العاصمي، يعود السؤال ذاته والملحّ إلى الواجهة: هل من يريد الترشح لمجلس الإدارة يملك المال الكافي؟ وكأن الشرط الأول والأساسي لقيادة أكبر وأعرق نادٍ جماهيري في السودان لم يعد الخبرة الرياضية المتراكمة، أو الفكر الإداري المتطور، أو المشروع المؤسسي المستقبلي، بل حجم الحساب البنكي والقدرة اللامحدودة على دفع الفواتير وسداد المديونيات.
لقد تحولت رئاسة الأندية السودانية، وعلى رأسها الهلال، من موقع إداري وفكري رفيع يقود مؤسسة رياضية واجتماعية ضخمة، إلى سباق مالي مفتوح وعشوائي، يتقدم فيه رجال الأعمال لا بوصفهم أصحاب مشاريع رياضية أو خطط استثمارية، بل باعتبارهم “المنقذ المالي” الأوحد والقادر على الصرف البذخي على تسجيلات اللاعبين، وإقامة المعسكرات الخارجية، وسداد رواتب الأجهزة الفنية، وتسيير النشاط اليومي الضاغط للنادي.
لكن السؤال الأخطر والأعمق الذي ظل غائباً ومغيباً لسنوات طويلة: هل الهلال كيان فقير فعلاً حتى يظل معلقاً كالرهينة على جيب شخص واحد ومزاجه الشخصي؟
إن الهلال ليس نادياً صغيراً أو حديث التأسيس يبحث عن متبرع أو كفيل، بل هو مؤسسة جماهيرية ضخمة تملك اسماً تجارياً عريضاً، وتاريخاً باذخاً، وقاعدة جماهيرية هائلة ومليونية داخل السودان وخارجه. وهو كيان يملك قيمة تسويقية واستثمارية عالية جداً لو أُديرت بعقلية اقتصادية حديثة وبأدوات “بيزنس” رياضي حقيقي، لتحول النادي فوراً إلى كيان مكتفٍ ذاتياً ومالياً، لا ينتظر كرم رئيس ولا يخضع لتقلبات مزاج رجل الأعمال.
المشكلة الحقيقية والجوهرية هنا ليست في مجرد وجود رجال الأعمال والمليارديرات داخل أروقة النادي، فهذه ظاهرة صحية وموجودة في أكبر أندية العالم، بل تكمن المشكلة في أن النادي ظل لعقود طويلة يُدار بعقلية “الصرف والاستهلاك” لا بعقلية “الاستثمار والإنتاج”. كل مجلس إدارة يأتي للدفة وهو يحمل معه ذات الوصفة التقليدية القديمة والمستهلكة: تسجيلات ضخمة وضوضاء إعلامية، صرف مالي مفتوح، ووعود فضفاضة بالبطولات المحمولة جوّاً، ثم ينتهي الموسم الرياضي ويغادر المجلس تاركاً وراءه تركة ثقيلة من الديون السيادية، والأزمات الإدارية، والصراعات القضائية.
ولعلنا نتساءل بمرارة: لماذا لم تنجح الإدارات المتعاقبة على حكم الهلال في تحويل هذه الجماهيرية الجارفة إلى قوة اقتصادية وقدرة شرائية حقيقية؟ أين هي مشاريع الاستثمار بعيدة المدى؟ أين هي أدوات التسويق الرياضي الحديث؟ أين هو مشروع العضوية الفاعلة والمستدامة؟ أين حقوق البث التلفزيوني والرعاية والمنتجات التجارية التي تحمل شعار النادي؟ وأين هو التخطيط الاستراتيجي الذي يجعل النادي قادراً على تمويل نفسه بنفسه دون الحاجة لأفراد؟
الحقيقة المؤلمة والواضحة أن كثيراً من الإدارات والشخصيات تعاملت مع نادي الهلال باعتباره “مشروع وجاهة اجتماعية” وسُلماً سياسياً أكثر من كونه مؤسسة رياضية تربوية؛ فالظهور الصاخب في واجهة أكبر نادٍ جماهيري يمنح رجل الأعمال نفوذاً اجتماعياً، وإعلامياً، وسياسياً هائلاً، ويصنع له حضوراً وحصانة مجتمعية ربما لا تمنحه إياها شركاته أو أمواله الضخمة وحدها. الهلال بالنسبة للبعض ليس فقط نادياً لممارسة الرياضة، بل هو منصة نفوذ، وشهرة، وتأثير عابرة للحدود.
وفي المقابل، يتحول الجمهور الهلالي أحياناً — عن قصد أو دون قصد — إلى أداة لحماية هذا النموذج المشوه، حين تختزل معايير النجاح والفشل داخل المدرجات وفي الأسافير في سؤال بليد واحد: (الرئيس دفع كم؟!). وتختفي بناءً على ذلك المحاسبة الإدارية، ويتراجع النقاش العلمي حول التخطيط والبناء المؤسسي للمراحل السنية، ويصبح مجرد انتقاد الرئيس أو معارضته نوعاً من “الجحود والنكران” لأنه — كما يُردد دائماً — البنك الوحيد الداعم للفريق، والملتزم بالدفع.
لكن، هل وظيفة الجمهور والروابط التشجيعية الواعية أن يقتصر دورها على التصفيق والهتاف لمن يدفع من جيبه فقط؟ أم أن دورها الحقيقي والتاريخي هو حماية وهوية مستقبل النادي كمؤسسة راسخة؟
إن الجماهير الواعية والذكية لا تبحث عن رئيس يدفع من جيبه إلى ما لا نهاية في حلقة مفرغة، بل تبحث بشغف عن إدارة تبني نظاماً وسيستم يجعل النادي قادراً على الحياة والنمو والاستمرار حتى بعد رحيل هؤلاء الأفراد. فالأندية الكبيرة لا تُقاس أبداً بحجم ما يدفعه الرئيس من ماله الخاص، بل بحجم ما تنتجه المؤسسة من موارد وأصول وتدفقات مالية مستقلة.
وإذا نظرنا إلى الفرق والكيانات الكبرى في العالم، سنجد أن قوة النادي الحقيقية لا تكمن مطلقاً في ثراء رئيس مجلس الإدارة، بل في قوة وعظمة النظام الإداري، والاستثماري، والقانوني المحكم. الرؤساء والمستثمرون يرحلون، لكن المؤسسات والأنظمة تبقى صامدة.
أما في واقعنا الرياضي السوداني المأزوم، فقد أصبح النادي رهينة مطلقة للأشخاص؛ فإذا حضر رجل المال انتعش الفريق واستجلب النجوم مؤقتاً، وإذا غاب أو غضب انهارت المنظومة بالكامل وعاد النادي للمربع الأول من المعاناة والإفلاس، وهنا تكمن الكارثة الحقيقية وصفارة الإنذار.
إن الهلال اليوم لا يحتاج فقط إلى رجل أعمال يدير النادي بدفتر شيكاته الخاصة، بل يحتاج إلى “مشروع”؛ يحتاج إلى عقول علمية متخصصة ومؤهلة في الإدارة الرياضية، والاقتصاد الرياضي، والتسويق، والاستثمار، والتخطيط الفني طويل الأجل. يحتاج النادي إلى تحويل جماهيريته الجارفة والمليونية إلى مورد مالي ثابت ومستدام، لا إلى مجرد هتافات عاطفية موسمية في المدرجات. ويحتاج قبل ذلك كله إلى بث ثقافة وفكر جديدين يؤمنان بأن النادي أكبر بكثير من الأفراد مهما عظمت ثرواتهم، وأن مستقبل المؤسسات الراسخة لا يُبنى على الجيوب المفتوحة بل على الأنظمة المستدامة والمؤسسية الحقة.
ويبقى السؤال التحدي والمصيري الذي يجب أن يواجهه شعب الهلال وكافة أقطابه بشجاعة ومكاشفة: هل رجل الأعمال هو الذي يخدم الهلال بماله، أم أن الهلال بتأريخه وجماهيريته العريضة هو الذي يمنح رجل الأعمال ما لا يستطيع المال شراءه في هذا العالم؟
#صحيفة_الهدف #الهدف #أمجد_السيد #ملف_الهدف_الرياضي #نادي_الهلال #الهلال_السوداني #مجلس_الإدارة #رجال_الأعمال #رئيس_الشيكات #الفساد_الإداري #البناء_المؤسسي #الاستثمار_الرياضي #الشفافية_المالية #جمهور_الهلال #الموج_الأزرق #أخبار_الرياضة #أخبار_السودان #السودان #السودان_2026 #حـ.رب_السودان #لا_للـحـ.رب #الكرة_السودانية #المنقذ_المالي

Leave a Reply