د.معتصم الزاكي دونتاي
يحيط به أشجار الهجليج والطندب والتبلدي، أعشاب صغيرة متناسقة ذات طابع جمالي بديع يطلق عليها (بصل الكلاب)، وهو نبات جميل المنظر، يجاوره على الدوام نبات يسمى (عرق العقرب) يقال إنه يداوي لدغة العقارب، نبات (السوريب) الجميل كان يحيط بالمكان أيضًا، يعطي موقع المقابر بعدًا جماليًا أشبه بمداخل القصور الرئاسية.
في الضريح يدفن الشيخ العالم ود الزاكي، الذي كان يدرّس طلاب العلم (مختصر خليل)، أهم مؤلفات المذهب المالكي، وبجنبه ابنه مصطفي وحفيده أحمد.
على بوابة الضريح تجلس امرأة كبيرة في السن بشكل دائم، تأتي كل صباح وتقوم بتنظيف مكان الضريح وإطلاق البخور عليه ومراجعة ماء الأزيار، إنها الحاجة (آمنة الراتي) زوجة أحد المدفونين في هذا الضريح. منذ وفاته ظلت تأتي إلى هذا المكان كل يوم إلى أن توفاها الله..
أذكر أنني قدمت ذات يوم للضريح وسلمت عليها،
– حبوبة إزيك
– مرحب يا ولدي.. أدخل لا جوه.
– أدخل وين يا حبوبة..؟
– ردت علىّ بحزم: أدخل لا جوه الضريح، سلم على جدك.
– رديت عليها باستغراب: يا حبوبة جدي ميت أسلم عليهو كيف؟
قامت بسرعة وغضب، وأخذت بيدي وصاحت: انت بقيت مطموس ولا شنو! قادتني إلى داخل الضريح، أشارت إلى أن أخلع نعليك ففعلت، تقدمت أمامي وصاحت: السلام عليك يا سيدي ود الزاكي، ولدك بسلم عليك.. نظرت إلىَّ وتبسمت، كأنما كانت ترد على استغرابي، كيف لها أن تخاطب شخص ميت!. أشارت إلىَّ: أمشي قدام يا جنى..
تملكني شعور غريب وسط هذا المشهد المهيب، خليط من عبق الحياة والموت، هيبة في مكان رجل ميت جسديًا، الضريح تحيط به أكوام من طوب وأسمنت بشكل منظم، قطع من القماش تتدلى من أعواد طويلة، ألوانها خضراء وبيضاء، بعض الحجارة الجبلية الصغيرة مبعثرة هنا وهناك، رائحة البخور تعطي الضريح ألقًا غير عادي، وشعور بهيبة المكان وساكنيه.
تتحدث الحاجة الراتي في حوار هادئ ولغة تهذيب عالي مع الضريح، وتحكي بصوت منخفض.. إنها ذهبت المكان الفلاني، وعملت الشيء العلاني.. وأنها قصرت في حقه، وتطلب منه العذر لأنها تأخرت اليوم عن موعدها المحدد المعتاد، كنت أنظر إليها باستغراب وتعجب وأتساءل: أي وفاء وأي إخلاص ما تفعله هذه المرأة لهذا الرجل بعد الممات..!
صمتت الراتي قليلًا، ثم أشارت إلى بالخروج والجلوس على حجر على باب الضريح، أعطتني ثلاث تمرات وكوب من ماء الزير المنصوب بالضريح، مسحت على رأسي وقالت بحب: ربنا يصلح حالك يا ولدي.
نهضت فجأة وبفزع وهي تصيح: أقعد ما تتحرك. كنت ارتجف: في شنو يا حبوبة؟، أشارت إليهم: ما شايف الحاصل هناك؟ نظرتُ إليهن، كن مجموعة من النساء يتحركن بسرعة، يلبسن ثيابًا بيضاء ويرددن ترانيم صوتية غير مفهومة.. وجوهن حزينة، منهكات وغبش، يبدو على أجسامهن شيء من الغبار، تتقدمهن امرأة تحمل سيفًا، تتلفت ذات اليمين وذات الشمال، كأنها تسير إلى معركة عسكرية مصيرية.
احتوتني الحاجة الراتي وغطت عيوني حتى لا أرى المشهد، أشارت إلىّ: أجلس هنا ولا تتحرك. خاطبتها بخوف: ديل مالهم يا حبوبة؟، صمتت قليلًا وقالت: دي حليمة الليلة طلعوها من حبسها بعد وفاة راجلها، وهي في طريقها إلى قبره للسلام عليه.
قلت لها: ولماذا تحمل سيفًا؟، ردت جدتي: إن الجن يحيط بها، وهي تحمل السيف لحماية نفسها ومن حولها حتى تصل إلى قبر زوجها، لا يمكن لأي إنسان أن يقترب منها الآن، رأيتها تذهب لتسلم عليه وتكسر تربته وترش عليها الماء والحصى وتضع الحجارة وأكواب الماء على أطراف قبره، تعظيمًا ووفاءً له.
نظرت إلي جدتي وأنا يتملكني الخوف والفضول من غرابة المشهد، قالت لي بحب: ما تخاف انت بعيد منهم.
دخلت النساء في موكب مهيب إلى المقابر، الوجوه يبدو عليها الحزن والحزم، الترانيم المبهمة حاضرة في صوت حنين، أحطن بالقبر باحترام يشبه انتباه العسكر أمام قائدهم والدموع تتقاطر من أعينهن. سلمت الحاجة حليمة على زوجها، ثم انحنت وبكت عند رأسه بحرقة، صبت الماء البارد على القبر، ساد الصمت والدمع معًا لفترة ليست بالقصيرة في المكان، بدأت بصب الشاي بهدوء وقدمت أول كباية لقبر المرحوم، شربن الشاي مع القبر تخليدًا لذكرى زوجها، الذي كان يحب شرب الشاي معها. فجأة صاح أحد الشباب: دا شنو الشرك البتعملو فيهو دا؟، ردت عليه الحاجة فاطمة بهدوء: يشركو ليك بكجامة الككو إن شاء الله يا قليل الأدب!. ثم انصرفن ورؤوسهن منحنيات.
كان جسمي مشدودًا وأعصابي لا تكاد تحمل جسمي وأنا أراقب المشهد، خليط من الحزن والوفاء والتقاليد الغريبة. شعرت بشيء من الانبهار والتساؤل.. ما هذا، الذي يحدث!!.
أشارت إلىَّ الحاجة آمنة: ياجنى ودع جدك وأمشي بيتكم خلاص النهار قيل، ودعتها ومضيت إلى سبيلي.

Leave a Reply