زكريا نمر
كاتب من جنوب السودان
في أوقات الانقسام الحاد والصراعات العنيفة يبرز سؤال قديم جديد: ما هو دور المثقف؟ هل يجب عليه أن يلتزم الصمت، أم أن ينخرط في الأحداث الجارية؟ وإذا اختار الانخراط، فما مدى قدرته على الحفاظ على استقلاليته الفكرية؟ تزداد هذه الأسئلة إلحاحًا في المجتمعات، التي تعاني من الصراعات، حيث تتفكك الهياكل الاجتماعية وتفقد المؤسسات معانيها وتصبح الكلمة موقفًا، والموقف تهديدًا للحياة أو الوجود. يسعى هذا النص إلى استكشاف تعقيدات دور المثقف في هذه السياقات من خلال تحليل الأبعاد النظرية والواقعية لإشكاليته.
منذ أن قدم غرامشي مفهوم “المثقف العضوي”، الذي ينتمي إلى طبقة أو جماعة ويعبر عن مصالحها التاريخية أصبح النقاش حول المثقف أكثر تعقيدًا. فهل يُفترض بالمثقف أن يكون مستقلًا عن السلطة والمعارضة؟ أم أن وجوده يستدعي انحيازًا لقضية معينة؟ في هذا السياق لا يُعتبر المثقف مجرد أكاديمي أو فنان أو كاتب، بل هو حارس للوعي الجمعي وصانع للمعنى، و”المتدخل المزعج” كما وصفه إدوارد سعيد، الذي يسعى إلى طرح الأسئلة بدلًا من البحث عن راحة الضمير.
في المجتمعات، التي تعاني من الصراعات مثل السودان وسوريا والعراق ولبنان ورواندا ويوغوسلافيا السابقة، يصبح الخطاب الثقافي متشابكًا مع الدم، ويُحاصر العقل بالعواطف. تتفكك الهويات وتُستدعى الانتماءات البدائية مثل القبيلة والطائفة والعرق، مما يحوّل الفضاء العام إلى ساحة تتصارع فيها السرديات، ويصبح المثقف مهددًا بالتصنيف القسري: هل هو في صفنا أم ضدنا؟
تنتج هذه البيئة نوعين من المثقفين: الأول هو مثقف التجييش، الذي يشارك في تبرير الصراع ويدعم آيديولوجيا طرف معين، والثاني هو مثقف العزلة، الذي ينسحب إما خوفًا أو رفضًا، وغالبًا ما يُتهم باللا مبالاة أو النخبوية. وتكمن المشكلة ليس فقط في القمع السياسي، بل أيضًا في الرقابة المجتمعية والوصاية الأخلاقية، التي تُمارس عليه من قبل جماعته نفسها.
في خضم النزاع، يُتوقع من المثقف أن يكون أكثر من مجرد مفكر؛ بل يُطلب منه أن يتخذ موقفًا. لكن هذا الموقف لا يتعين أن يكون دائمًا لصالح قيم الحق والعدل، بل قد يكون أحيانًا لصالح طائفة أو سلطة تدعي تمثيل الشعب. وهنا تظهر الإشكالية الأخلاقية: هل يُسمح للمثقف باستخدام قلمه لتبرير القتل؟ وهل لديه القدرة على الصمت إذا كان هذا الصمت يعني خيانة ضميره؟
في الحالة السورية على سبيل المثال عانى العديد من المثقفين من صراع داخلي بين معارضة الاستبداد ورفض عسكرة الثورة. وفي السودان انقسم المثقفون حول الصراع بين الجيش والدعم السريع، حيث انخرط بعضهم في خطاب سياسي أو إثني، بينما سعى آخرون إلى إنتاج خطاب يتجاوز ثنائية الجلاد والضحية، دون أن يحققوا التأثير المطلوب.
المثقف في المجتمعات المتصارعة لا يمثل الأمة فحسب، بل يُطلب منه غالبًا أن يتحدث باسم الفئات المهمشة أو الهامشية، خصوصًا في الدول ذات التكوين الهجين. وهنا تظهر مفارقة واضحة: كيف يمكن لمثقف أن يعبر عن الهوية الجماعية في ظل انقسامها؟ على سبيل المثال، يُساء فهم مثقف دارفور أو النوبة أو جنوب السودان عندما ينتقد المركز أو يدعو لتحقيق العدالة التاريخية، حيث يُتهم بالانفصال أو التمرد. في المقابل، يُنظر إلى المثقف القادم من المركز بشك إذا تحدث عن الديمقراطية للجميع دون الاعتراف بالمظالم الهيكلية، التي أفرزها النظام الاجتماعي والسياسي. إنها أزمة تمثيل في سياق متشظٍ: من يتحدث باسم من؟ ومن يمتلك الشرعية الأخلاقية للقيام بذلك؟
أما المنفى، سواء كان جغرافيًا أو رمزيًا، فهو غالبًا ما يكون ملاذًا للمثقف، الذي يهرب من العنف، لكنه أيضًا فضاءً لإعادة بناء الذات. في الشتات قد تتحرر الكتابة من الخوف لكنها قد تفقد صداها داخل الوطن. ينتج المثقف نصوصًا عميقة لكن دون جمهور فعلي، وكأن قدره أن يكون صوتًا في الفراغ. ومع ذلك استطاع العديد من المثقفين مثل إدوارد سعيد، محمود درويش، والطيب صالح تحويل المنفى إلى منبر عالمي للوعي النقدي وإعادة بناء الهوية.
لا يُحتفى بالمثقف، الذي يدعو إلى المصالحة في أوقات الحرب، وغالبًا ما يُتهم بالاستسلام أو بالتخاذل أو بضعف الموقف. لكن دوره الحقيقي يبدأ من هنا. فالمصالحة لا تعني نسيان الجراح، بل تتطلب الاعتراف بها وإعادة تفكيك خطاب الكراهية. المثقف ليس مجرد وسيط سياسي، بل هو وسيط رمزي يعيد صياغة السردية الوطنية ويمنح الضحية صوتًا، دون أن ينزع عن الجلاد إنسانيته. إنه يكافح التطرف ليس بالسلاح، بل بالأفكار، ويدافع عن الحق دون أن يعيد إنتاج مشاعر الكراهية.
في أوقات الصراع، قد لا يكون المثقف وحده من يحدث التغيير، بل يتطور دوره ليصبح فاعلًا ثقافيًا متعدد الأبعاد: كاتب، صانع أفلام، فنان تشكيلي، شاعر، مؤرخ شفهي، وناشط رقمي. الجميع معني بإعادة إنتاج الذاكرة الجماعية والمساهمة في تجاوز الانقسام. وفي النهاية، ليس المطلوب من المثقف أن يكون نبيًا أو بطلًا، بل أن يكون صادقًا مع نفسه، وأن يتحلى بشجاعة النقد والمساءلة، حتى وإن كانت الأصوات من حوله تطالب بالصمت.

Leave a Reply