سارة منوفلي
قيل إن معرفتك بنفسك هي نصف المشوار للوصول إلى ما تتمنى.
ولأني أعرف نفسي جيداً، أقول بوضوح إن تقلبات الحال السوداني وقساوتها منذ ثلاث سنوات بمثابة عاصفة اقتلعت ثباتي بقسوة وضجيج.
في أولها، كنت مفعمة بالتفاؤل، على ثقة بأن هذه الحرب سوف تنتهي بسرعة. ثقتي جاءت من عقل رافض لهذا الوضع، يحاول عبثاً عدم تصديقه.
كنت أحاول مصارعة هذا الواقع بمحاولة نشر الوعي والمعرفة، والوقوف والرفض أمام ممارسات وإفرازات هذه القساوة.
كنت أحمل طاقة كبيرة لمتابعة كل شاردة وواردة عن أخبار وطني وأهلي.
أحزن لحزنهم، وأغضب لغضبهم، وأتألم مع آلامهم. أحمل همهم وأدعو لهم بظهر الغيب.
كانت مشاعري تلهث صعوداً وهبوطاً، وتتغير مع دقات الثواني كلما نزل خبر، أو سمعت أو تابعت الأخبار.
وصلت إلى مرحلة من الهوس بالسودان، درجة أنني أصحو منتصف الليل، وأتناول هاتفي من تحت وسادتي. لا أمنح الهاتف حتى فرصة الراحة على الشاحن. لا أستطيع أن أصبر؛ أخاف أن يفوتني خبر لا أستطيع به مواساة أحد، أو تطييب جراح، أو تقديم عزاء.
أحدهم هذا لا أعرفه ولا يعرفني… يكفي أنه سوداني.
وفي وسط هذه الفوضى، تتقلب أيامي مجبرة بواقع اللجوء، الذي لا يقل ألماً عما يحدث في وطني.
فالوطن هو هويتنا التي تحدد من نكون، وهو الصفة التي تمنحنا الكرامة إن كان كريماً، وتمنحنا الذل إن كان مُذلّاً.
لا يقتصر الأمر على أين نلجأ، بل من أين نلجأ.
واستمرت المرارات والفواجع تتقن أن تنقص كل شيء، ولا تزيد إلا الشيب في شعري.
وللأسف، استمر الحال، لا أقول صعوداً وهبوطاً، بل هبوطاً وهبوطاً وهبوطاً…
وصلت إلى مرحلة الثبات الهبوطي المستمر. خفت على نفسي أن أحملها فوق طاقتها، فتوقفت عن متابعة الأخبار، واتجهت هرباً إلى التسلية ومتابعة المسلسلات والبرامج التي لا تحمل أي معانٍ سوى أن يمر الوقت… هرباً.
أوقن أن حالي حال الكثير من السودانيين والسودانيات، وقد أكون أخفهم وجعاً.
أما آن لهذا الوجع أن ينتهي؟ ولهذا الوطن أن يطيب جراحه؟
أخشى أن يصل الشعب إلى مرحلة «مرض ستوكهولم»، أو بالدارجي السوداني: «جلدنا يتخن، ودمنا يبرد، وعقولنا تتجمد».
أنا أقدم استقالتي من رئيس الوزراء كامل إدريس.

Leave a Reply