أكتوبر في مرايا الإبداع: الفن يخلّد حلم الحرية؟

صحيفة الهدف

قراءة في الوجدان السوداني بين الشعر والغناء والتشكيل والمسرح

د. أحمد الليثي

1-3

لم تكن ثورة الحادي والعشرين من أكتوبر 1964 مجرد انتفاضة شعبية أطاحت بنظام عسكري وأعادت الحياة الديمقراطية إلى السودان، بل كانت لحظة استثنائية في تاريخ الثقافة السودانية، التقت فيها السياسة بالشعر، والحرية بالغناء، وتحول فيها الإبداع من تعبير عن مشاعر الأفراد إلى صوت جماعي لأمة اكتشفت قدرتها على تغيير مصيرها.

ولعل ما يميز ثورة أكتوبر عن كثير من الأحداث السياسية في تاريخ السودان أن أثرها لم يبقَ حبيس الكتب والوثائق، وإنما تسلل إلى وجدان الناس عبر الأغنيات والقصائد، حتى أصبح من الممكن أن يستعيد السودانيون الثورة بسماع لحن أو ترديد بيت شعر، أكثر مما يستعيدونها بقراءة بيان سياسي.

لقد انتصرت أكتوبر في الشارع، لكنها وجدت خلودها في الثقافة.

حين أصبح الشعر فعلًا ثوريًا

كان الشعر السوداني قبل أكتوبر مشغولًا بقضايا الوطن والحرية والاستقلال، لكن الثورة منحته أفقًا جديدًا، وجعلت القصيدة جزءًا من الفعل السياسي والاجتماعي، لا مجرد تعليق عليه.

ولم يكن مصادفة أن يبرز في الذاكرة الثقافية لأكتوبر شعراء مثل محمد المكي إبراهيم، ومحمد الفيتوري، وهاشم صديق، والفضل أحمد، وغيرهم ممن أسهموا، بدرجات وأشكال مختلفة، في تشكيل الوجدان الوطني المرتبط بالحرية والتغيير.

في قصيدة «أكتوبر الأخضر»، لم يكن محمد المكي إبراهيم يؤرخ لحدث سياسي فحسب، وإنما كان يعيد اكتشاف الشعب السوداني بوصفه بطلًا قادرًا على صناعة التاريخ. لقد انتقلت البطولة من صورة الزعيم الفرد إلى صورة الجماعة، ومن تمجيد السلطة إلى الاحتفاء بالإنسان العادي الذي يخرج إلى الشارع حاملًا حلمه بوطن أكثر حرية وكرامة.

وهنا تكمن إحدى أهم التحولات الثقافية التي أحدثتها أكتوبر: لم يعد الشعب مجرد موضوع للشعر، بل أصبح صانعه وبطله ومصدر شرعيته الأخلاقية.

الأغنية التي صنعت ذاكرة الثورة

إذا كان الشعر قد منح أكتوبر لغتها، فإن الموسيقى منحتها قدرتها على البقاء.

فقد ارتبطت الثورة بأعمال غنائية أصبحت من أبرز مكونات الذاكرة الوطنية السودانية، وفي مقدمتها «أكتوبر الأخضر» بصوت محمد وردي، و«الملحمة»، التي كتبها هاشم صديق ولحنها وغناها محمد الأمين، و«قصة ثورة»، التي كتبها الفضل أحمد وغناها محمد الأمين.

لم تكن هذه الأعمال مجرد أغانٍ وطنية أُنتجت للاحتفال بانتصار سياسي، بل كانت محاولات فنية لاستيعاب التجربة الثورية وتحويلها إلى وجدان مشترك.

وقد بلغت هذه التجربة إحدى ذراها في «الملحمة»، حيث امتزج السرد الشعري بالبناء الموسيقي والأداء الجماعي، فأصبحت الأغنية أقرب إلى مسرح موسيقي يروي قصة شعب، بأحلامه وتضحياته وانتصاراته.

وكان لافتًا أن الأغنية الأكتوبرية لم تكتفِ بتمجيد الثورة، بل احتفت بقيم أوسع: الحرية، والتضحية، ووحدة الشعب، والقدرة على تجاوز الخوف.

وهكذا استطاعت الموسيقى أن تحقق ما تعجز عنه أحيانًا الخطب السياسية؛ فقد جعلت الثورة تجربة عاطفية مشتركة، يتوارثها من لم يشهدوا أحداثها، ويشعرون بالانتماء إليها رغم المسافة الزمنية.

ولعل هذا يفسر لماذا ظلت أغنيات أكتوبر حاضرة بعد أكثر من ستة عقود، بينما توارت أسماء كثيرة ممن تصدروا مشهدها السياسي.

فالسياسة تحتفظ بالأحداث في سجلاتها، أما الفن فيحتفظ بها في القلوب.

يتبع

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.