صلاح يوسف
في ذكرى ثورة أكتوبر
رغم مرور أكثر من ستة عقود على ثورة أكتوبر المجيدة، فقد ظلت وستظل أحداثها محفورة في الذاكرة، باعتبارها عملًا شعبيًا سلميًا استطاع أن ينتصر على الحكم العسكري، مسجلًا بذلك أول ثورة شعبية في أفريقيا والوطن العربي.
ومن ناحية ثانية، ربما يعود ذلك إلى أن مشاركتي في تظاهراتها كانت نابعة من قناعة وإيمان بمبادئها، كما أنني ومن جايلوني في ذلك الوقت كنا طلابًا وشبابًا يافعين، وقلوبنا مليئة بالحماس، خاصة أن نهج الحكم العسكري القائم وقتها كان يكمّم الأفواه، ويودع المعارضين في السجون، ولا يعرف بديلًا لصوت البندقية لحسم مشكلة الجنوب، التي أجّجها سعي الحكم العسكري ذاته، بالإصرار على التعريب ونشر الإسلام في الجنوب، الذي تركه المستعمر يعتنق الديانة المسيحية ويتحدث الإنجليزية.
وبما أن الثورة تفجرت منذ لحظة استشهاد الطالب أحمد القرشي بجامعة الخرطوم، التي كان اتحاد طلابها يقيم ندوة انصبّ جل الحديث والخطب الرنانة فيها حول قضية جنوب السودان، التي أُريقت في حربها دماء زكية دون جدوى أو بارقة أمل للتوصل إلى حل سلمي يوقف نزيف الدم، فقد كان لاستجابة السلطة لما طُرح في الندوة من رؤى سلمية أثر بالغ في مجريات الأحداث. إذ عمدت السلطة، لعدم قبولها ما قيل في الندوة، إلى تفريقها باستخدام قوة السلاح، فاستشهد حينها الطالب أحمد القرشي، ليكون بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير.
وتواصلت التظاهرات عقب تشييعه، استجابة لنداء شهير هو: «إلى القصر حتى النصر». ويحضرني هنا القول إنني كنت مشاركًا في تلك التظاهرة التي وصلت إلى ساحة القصر الجمهوري، وقد رأيت بأم عيني كيف كان المتظاهرون يتساقطون بين شهيد وجريح، في حين تفرقت التظاهرة على أمل المواصلة مرة أخرى.
ولما كانت الشرطة تلاحق المتظاهرين في مختلف الشوارع المحيطة بالقصر، لجأت، ومعي البعض، إلى داخل موقع جنوب الساحة، في شارع القصر، حيث كان مسوّرًا بألواح الزنك، وكان يجري داخله تشييد مبنى بنك الخرطوم القائم حتى الآن.
وما إن هدأ صوت الرصاص حتى انسحبنا هربًا عبر شارع البرلمان، ومنه إلى شارع النيل، وصولًا إلى معدية توتي. وهناك رأى البعض منا العبور إلى توتي، ولكنني وآخرين رأينا أن توتي ستكون بمثابة سجن كبير يسهل القبض علينا فيه؛ لذلك واصلنا الهروب راجلين عبر جسر النيل الأبيض إلى أم درمان، وصولًا إلى حي الموردة الذي أسكن فيه.
واستمرت التظاهرات حتى اليوم الثامن والعشرين من أكتوبر، حين فتحت الشرطة النار على المتظاهرين، واستشهد في ساحة القصر الجمهوري العشرات. ولما لم تهدأ ثورة الشعب، حلّ الفريق عبود المجلس العسكري، ولاحقًا دعا جبهة الهيئات، التي كانت تقود المعارضة السياسية، للتفاكر حول تسليم السلطة.
هناك علمنا بأن ابن الحي، الشاب عز الدين نصار، استشهد في الساحة، فواصلنا تجمهرنا هناك لأيام، إلى أن واريناه الثرى. وظللنا نتابع الأحداث التي انتهت بتنحي الفريق عبود عن السلطة، وتسليمها إلى جبهة الهيئات، التي اتفقت على أن يكون سر الختم الخليفة رئيسًا لوزراء حكومة ثورة أكتوبر.
هذه نقطة في بحر يمور بالذكريات. ومن الواجب أن يكون الختام بالترحم على أرواح الشهداء، مع قناعتي بأن غرس أكتوبر لن يموت، ما دمنا نخلّده باليقظة الثورية والتعبير الثقافي والفني.

Leave a Reply