من أروقة الندوة إلى فضاء الجدارية (1): أكتوبر 1964.. الشعر والغناء صوتاً للثورة

صحيفة الهدف

نادر السماني

لم تكن الثورات السودانية مجرد انتفاضات سياسية أو استجابات عابرة للأزمات المعيشية، بل تعبيراً عن وعي جمعي تتداخل فيه أسئلة الحرية والعدالة والهوية. وفي قلب هذه التحولات، ظل الإبداع الثقافي والفني شريكاً في صناعة الحدث، ووسيلة لتشكيل الوجدان الوطني وتوثيق لحظات المقاومة.

مثّلت ثورة 21 أكتوبر 1964 محطة فارقة في تاريخ السودان السياسي والثقافي، إذ تجاوز تأثيرها إسقاط نظام الفريق إبراهيم عبود إلى تأسيس ذاكرة شعرية وغنائية ظلت حاضرة في الوجدان السوداني عبر الأجيال. ولم يكن ذلك مصادفة، بل نتيجة تفاعل بين الحركة الطلابية والنقابية، والمثقفين والشعراء والموسيقيين، في سياق وطني كانت فيه الكلمة والأغنية من أبرز أدوات التعبير الجماهيري.

اندلعت الشرارة من جامعة الخرطوم، عقب ندوة تناولت قضية الجنوب، حين واجهت السلطة الحضور بالعنف، فسقط الطالب أحمد القرشي طه. وسرعان ما تحولت الحادثة إلى لحظة مواجهة وطنية اتسعت دائرتها، وتقدمت فيها الهيئات المهنية والنقابات لتقود الحراك نحو إسقاط النظام.

انعكس هذا السياق على طبيعة الإبداع الأكتوبري؛ فقد احتل الشعر مكانة مركزية، مستنداً إلى لغة تجمع بين البلاغة والحماسة الوطنية، وتستحضر مفردات الشعب والحرية والانعتاق. وأسهم شعراء مثل محمد المكي إبراهيم وهاشم صديق في صياغة خطاب شعري منح الثورة أفقاً يتجاوز لحظتها السياسية المباشرة.

أما الغناء، فقد أصبح الوعاء الأوسع لانتشار ذلك الخطاب. وأسهم فنانون مثل محمد وردي ومحمد الأمين في تحويل النصوص الشعرية إلى أعمال جماهيرية خالدة، من بينها «أكتوبر الأخضر» و«الملحمة»، التي ارتبطت بقصة الثورة في الذاكرة السودانية. وهكذا انتقلت القصيدة من صفحات الكتاب إلى حناجر الجماهير، وصارت الأغنية وثيقة وجدانية تستعيدها الأجيال كلما تجددت أسئلة الحرية والديمقراطية.

ساعدت الإذاعة القومية والمنابر العامة على انتشار هذه الأعمال، فكانت الوسائط التقليدية جسراً بين المبدعين والجمهور، بينما أسهمت الحركة النقابية والثقافية في توفير البيئة التي احتضنت ذلك التفاعل.

لقد تأسس التعبير الأكتوبري على التقاء الكلمة الملتزمة باللحن الجماهيري، فغدا الفن جزءاً من الفعل السياسي، لا مجرد تعليق عليه. ومن هنا اكتسبت أكتوبريات 1964 قدرتها على البقاء؛ لأنها لم توثق انتصاراً سياسياً فحسب، بل عبّرت عن حلم وطني ظل مفتوحاً على المستقبل.

لكن كيف تبدلت لغة الثورة ووسائطها حين انتقلت البلاد، بعد أكثر من نصف قرن، إلى انتفاضة ديسمبر 2018؟ ذلك ما تكشفه تجربة الجدارية والهتاف والفضاء الرقمي.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.