إمام الحلو
مدخل
يدور جدل متصاعد هذه الأيام حول تاريخ الحركة المهدية ومحاولة ربط أحداث حرب أبريل 2023 والانتهاكات الجسيمة التي حدثت خلالها، خاصة من قوات الدعم السريع، بالحروب الداخلية للدولة المهدية وما تبعها من عنف الدولة تجاه بعض القبائل المتمردة. وربط آخر، بنفس النهج من جماعة دولة النهر والبحر، العنصرية الانقسامية على أساس خلفية الصراع في الدولة المهدية بين ما عرف بأهل البحر وأهل الغرب.
مرت الحركة المهدية بثلاث مراحل تاريخية: الدعوة المهدية، ثم الثورة المهدية، ثم الدولة المهدية.
الدعوة المهدية:
يقول الإامام المهدي في كشفه لأمر الدعوة المهدية: “إنما أمرت بإحياء الكتاب والسنة المقبورين حتى يستقيما”.
إن بعث الإسلام وإصلاح حال المسلمين لا يكون إلا بإحياء الكتاب والسنة المقبورين، قال: “فها أنا أوصيكم وإياي بتقوى الله واتباع سنة رسول الله، وأعلموا أن المهدية قائمة بهذين”.
إذن هي دعوة وظيفية إحيائية بعثية إصلاحية في المقام الأول، تجديدية المنهج، قائمة على مبدأ “لكل مقام ومقال حال، ولكل زمان وأوان رجال”، تأصيلًا على منهج الصدر الأول بعهد الرسول ﷺ والخلافة الراشدة. إذ يقول الإمام المهدي: “أمرنا هذا ناشئ عن الإلهام الصائب مع المشورة المسنونة”، و”أنا على سكة رسول الله ﷺ” حذوك النعل بالنعل. وهذا يعني أن المهدي كان يترسم سيرة الصدر الأول من الإسلام منذ عهد النبي ﷺ والخلفاء الأربعة، وسمى نفسه المهدي خليفة رسول الله ﷺ، وسمى نوابه خلفاء للخلفاء الراشدين.
الإمام الصادق المهدي في “ورقة أيديولوجية المهدية – تركيزًا على التجربة السودانية، ورشة هيئة شئون الأنصار (6/9/2006)”، يقول: “تعاليم الإمام المهدي بشأن المهدي والمهدية تشكل مدرسة سنية جديدة هي المدرسة الحادية عشرة في ترتيب المدارس المهدوية الإسلامية”. والأثر الإسلامي الفريد والباقي للدعوة المهدية والذي من شأنه تكوين أساس لتوحيد أهل القبلة يَلخص في سبع نقاط هي:
-
أولًا: الدعوة المهدية ركزت على أن إحياء الدين الإسلامي يتوقف على إحياء الكتاب والسنة.
-
ثانيًا: أكدت الدعوة أن للتكاليف والأحكام الإسلامية جذورًا روحية.
-
ثالثًا: ركزت على دور الإمامة في القيادة الدينية “من تقلد بقلائد الدين ومالت إليه قلوب المسلمين”.
-
رابعًا: أكدت ضرورة الحركة في الفقه الإسلامي على أساس (لكل وقت ومقام حال، ولكل زمان وأوان رجال).
-
خامسًا: أحيت فريضة الجهاد دفاعًا عن النفس وفق الأمر الرباني “أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ” (الحج: 39).
-
سادسًا: جعلت الولاء لقطعيات الوحي متجاوزة الالتزام بالفرق والمذاهب، وما ليس قطعيًا محلًا للاجتهاد والشورى.
-
سابعًا: جعلت المهدية مرتبطة بوظيفة إحياء الدين.
هذا المعنى الوظيفي هو الذي نص عليه أحمد العوام، وهو أحد زعماء الثورة العرابية في مصر ومن الذين نفاهم جيش الاحتلال البريطاني إلى السودان، حيث قال في الرسالة التي سجل فيها رأيه في الدعوة المهدية ووجه في نهايتها نداء للمسلمين لتأييد الإمام المهدي وهي بعنوان (نصيحة العوام للخاص والعام من إخواني أهل الإيمان والإسلام):
قال د. عبد الودود شلبي في كتابه “الأصول الفكرية لحركة المهدي السوداني ودعوته” عن المهدية في السودان: “كانت حركة تمثلت فيها كل حركات الإصلاح في عصرها”، وهذا يفيد المعنى الوظيفي بالسعي للإصلاح.
الثورة المهدية:
كان الإمام المهدي يسعى إلى الدعوة لإصلاح حال الإسلام بالتي هي أحسن، ولم يبدأ في التحول إلى المقاومة المسلحة إلا عندما هاجمه أبو السعود في خلوته بالجزيرة أبا بقوة عسكرية لاعتقاله في أغسطس (1881). وكانت فكرته عندما هاجر إلى جبل قدير في جنوب كردفان الهجرة إلى مكان يعصم عنه عدوان الحكم التركي، في ضيافة المك “آدم أم دبالو” ملك مملكة “تقلي”، الذي ناصر المهدي وآواه.
واجه المهدي قبل وصوله لجبل قدير، في ديسمبر، اعتراض قوات راشد بك مدير فشودة، فانتصر عليها، وفي مايو (1882) أرسلت الحكومة التركية جيشًا بقيادة يوسف الشلالي، فقُضي عليه بكرة أبيه. عندها بدأت وفود قبائل الغرب تتوافد عليه في جبل قدير، إيمانًا بدعوته، وإحساسًا بأن الثورة ضد المحتل التركي الظالم قد بدأت من جبل قدير.
كانت هجرة قبائل الغرب من البقارة إلى جبل قدير هي التحول الكبير للمهدي من حالة الدفاع إلى حالة الهجوم الثوري بداية من تحرير مدينة الأبيض (1883)، وملحمة شيكان الخالدة، وحتى تحرير الخرطوم في يناير (1885).
كانت الثورة المهدية ثورة سودانية شعبية مسلحة قادت إلى تحرير السودان من المغتصب الأجنبي، وأسست أول دولة وطنية على التراب السوداني في 26 يناير (1885).
الدولة المهدية:
قضى المهدي حوالي سبعة أشهر في جبل قدير في تنظيم أتباعه وتجميع المعلومات حول تحركات الحكومة، وبدأ في تشكيل ملامح الدولة الوليدة عندما عيّن ثلاثة خلفاء له واختار لهم ألقاب خلافة الخلفاء الراشدين، فعين عبد الله بن السيد محمد خليفة له وخليفة الصديق (أبو بكر الصديق)، وعلي ود حلو خليفة له وخليفة الفاروق (عمر بن الخطاب)، ومحمد شريف خليفة له وخليفة الكرار (علي بن أبي طالب)، وجعل لكل خليفة راية؛ فالزرقاء تحت خليفة الصديق وتضم أهل الغرب كافة، والخضراء تحت خليفة الفاروق وتضم أهل النيل الأبيض والأزرق والجزيرة، والحمراء تحت خليفة الكرار وتضم أهل النيل في الشمال. وأنشأ بيت المال وعين عليه أحمد سليمان المحسي، وعين أحمد ود جبارة قاضيًا للإسلام.
وبعد وفاة الإمام المهدي في أم درمان بعد 5 أشهر فقط من تحرير السودان، حدث انتقال سلس وسريع للسلطة إلى خليفته عبد الله، وتمت مبايعته مباشرة من بقية الخلفاء رئيسًا للدولة الفتية، أول دولة وطنية بقيادة وطنية وجيش وطني خالص، كأكبر جيش وطني نظامي في أفريقيا وقتها.
واجه الخليفة عبد الله في مستهل حكمه تمردًا على سلطته من بعض زعماء القبائل من شمال وغرب السودان، وتمثل موقفه في مواجهة هذا التحدي موقف الخليفة أبي بكر الصديق عندما تمردت بعض القبائل العربية حين قال: “والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليها”.
ما ورد عن المهدية بعيون غربية:
بداية.. يجب الإقرار بأن أفضل ما رصد عن كتابات الغربيين عن المهدية هو كتاب “الأصداء العالمية للثورة المهدية” لمؤلفه الشاب د. محمد المصطفى موسى حامد، وفي رأيي أن هذا الكتاب ينبغي أن يكون ضمن المناهج في النظام التعليمي السوداني.
وكتب المؤرخ الأمريكي مارتن وليام دالي (M. D. Daly)، ترجمة بروفيسور بدر الدين حامد الهاشمي في “الجندي بحسبانه مؤرخًا: فرانسيس ريجلاند وينجت ومهدية السودان”:
“لم يسبق لأحد أن أجري بحثًا تفصيليًا في أرشيف الدولة المهدية السودانية قبل سنوات الخمسينيات من القرن العشرين. فقد كان الباحثون قبل تلك السنوات يكتفون بما ورد في التقارير والمطبوعات الرسمية، وما سطره الرائد فرانسيس ريجلاند وينجت في كتبه الثلاثة الضخمة، والتي كانت تعد -لعدم وجود أي كتب أخرى- هي الكتب المعتمدة الوحيدة في تاريخ المهدية”.
كانت تلك الكتب هي: “المهدوية والسودان المصري”، و*”عشر سنوات في أسر معسكر المهدي”, و“السيف والنار في السودان”*. ولم يكن وينجت في الواقع هو المؤلف الحقيقي لأي من هذه الكتب.
وكتب المؤرخ بي. أم. هولت عام 1958م في ورقة له عنوانها “مصادر الأبحاث عن المهدية السودانية” أن تلك الكتب ينبغي أن تُعد في الأساس محض “دعاية حربية”، إذ أنها لا تزال تستخدم بكثرة باعتبارها مصادر تاريخية بعد مرور أكثر من قرن على وفاة المهدي.
وحتى تلك الجمل المشحونة بالبلاغة والإثارة (والتي كانت تخدم أغراض وينجت السياسية) ثبت أن من كتبها هو أورفالدر نفسه في كتابه “عشر سنوات في أسر معسكر المهدي”. فقد كتب القس النمساوي في أصل المخطوطة:
“حتام ستنتظر أوروبا، وقبل ذلك إلى متى ستنتظر تلك الدولة التي توجد الآن في مصر (وجزءًا من السودان) والتي تستحق ويجدر بها استعمار وتمدين الشعوب المتوحشة؟ انظروا إلى الفظائع التي ارتكبتها المهدية، وما أحدثته من خراب وتدمير لشعب السودان”.
وكان ما سطره سلاطين ووينجت في ذلك الكتاب (السيف والنار) من تعطش النظام المهدوي للدماء وعسفه واضطهاده وقهره لشعبه سببًا للتسويغ (الشعبي) للغزو الإنجليزي المصري على السودان، والذي كان سيحدث على أي حال بالنظر إلى حلول المرحلة الأخيرة من “الاقتناء الاستعماري” واستراتيجية التوسع الإمبريالي.
ونشرت صحيفة (Echo) في عددها الصادر في الخامس من فبراير من عام 1896م أن المهدي قد “انغمس في الملذات بصورة مفرطة عجلت بوفاته. وجاء من بعده من هو أشر منه. غير أن ضربة سريعة من الخارج سوف تطيح بلا ريب بالحكم المهدوي. ولكن من الذي سيطول أمر تلك الضربة؟”
وفي دراسة قدمها الباحث الأمريكي نوح سلومون (Noah Salomon) بعنوان (Undoing The Mahdiyya): “تم بذل جهود متضافرة لتطهير السودان من أي أثر للحركة المهدية”.
يقول تشرشل في كتابه “حرب النهر”:
“لقد أعطت دقة انتظامهم واصطفافهم المستقيم.. مشهدًا بديعًا متفردًا للناظر.. وهو ما جعل هذا الجزء من جيش الخليفة يشابه لوحة (Bayeux Tapestry) الشهيرة والتي كانت تصف الجيش النورماندي الغازي لبريطانيا”.
كان تشرشل ميالًا لتدوين انطباعاته المجردة من أي انحياز وذلك حينما قال:
“إنهم أشجع رجال مشوا على وجه الأرض على الإطلاق”.. وقال أيضًا: “لم نهزمهم ولكن حطمناهم بقوة الآلة!”.
على الإيقاع نفسه، رسم مراسل صحيفة (Le Temps) الفرنسية مشهدًا متفردًا لبسالة السودانيين في كرري:
“إن المرء منا لا يملك إلا أن يحيي بسالة هؤلاء الجنود المهدويين.. لأنهم بلا شك لا يقلون عن نظرائهم الذين كانوا تحت قيادة صلاح الدين الأيوبي بسالة وإقدامًا، ولا شك أن ريتشارد قلب الأسد لم يكن أشجع رجاله يفوق مستوى هؤلاء الرجال وخصوصًا عند الالتحام بمقارعة يد بيد. لقد كان مسرح المعركة تراجيديا معقدة الفصول، لن تغيب بمشاهدها عن ضمير أي شاعر أو مؤرخ”.
وإن أردنا أن نجتبي من الكلام زبدته، فليس هناك بأفضل مما كتبته صحيفة (The Crescent) البريطانية بتاريخ 14 سبتمبر 1898 حين قالت:
“من الممكن القول بأن النصر قد وقف في صفوف البريطانيين بذلك اليوم. ولكن الشرف والكرامة سيرقدان للأبد مع أولئك الرجال السودانيين. سيرقدان هناك حيث تستلقي أجسادهم الصريعة لتستحم ببياض ثيابها رمال الصحراء. هؤلاء هم الرجال الذين تجري بأوردتهم دماء الحرية المقترنة بالولاء للوطن. هؤلاء هم الذين استحسنوا أن يواجهوا الموت برجولة فائقة بدلًا من التسليم لعدو سيسومهم ذل الهوان. هؤلاء هم الذين فضلوا الشهادة دفاعًا عن تراب البلاد التي أحبوها”.
وقال محمد إقبال، شاعر باكستان العظيم، في ديوانه المعروف بعنوان (Javid Nama) عن المهدي:
الضوء الهائج يبرق من فوق مياه..
الموج الصاخب يتلوى هدارًا نحو مداه..
الفوح العاطر يضوع شذاه..
من زهر يملأ جنات الله..
تبدت روح المهدي..
وهج منه..
أذاب لؤلؤة سكنت
بجوف محارة..
القاهرة 16/9/2026
#الحركة_المهدية #التاريخ_السوداني #إمام_الحلو #السودان #ثقافة #انتشار_واسع

Leave a Reply