عبدالمنعم مختار
ليس كل من حمل لقب «مفكر» مفكراً، ولا كل من كتب رواية صار روائياً، وبالضرورة ليس كل من أمسك بالريشة أو الميكروفون أصبح فناناً. فالألقاب لا تصنع القيمة، والإبداع ليس بطاقة عضوية في نادي النخبة، والثقافة ليست مقعداً مريحاً في الصفوف الأمامية لصناع الراي.
وثمة سؤال أخلاقي لا يستطيع المثقف السوداني الهروب منه اليوم: أين تقف حين يُقتل الناس؟
حين تتحول البلاد إلى خرائط للموت والدمار،وتدمر البنية التحتية علي فقرها وتُنهب البيوت، وتُسلب الممتلكات، وتُرتكب الانتهاكات، ويُغتصب النساء، ويُشرّد الأطفال، وتغيب الخدمات الاساسية ويُدفع الملايين إلى النزوح واللجوء، وتُخرب المستشفيات والمدارس والأسواق ، وتتوقف الخدمات الاساسية، ويعيش الجميع في مسغبة…أيصبح الصمت موقفاً، والتبرير موقفاً، والتصفيق للحرب موقفاً أيضاً؟.
ولذلك فإن أكثر ما يثير الدهشة أن تجد من يصف نفسه بالمثقف أو المبدع أو الروائي أو القاص أو الفنان، ثم يختار أن يقف في صف الذين يمددون عمر الحرب، أو يمنحونها غطاءً أخلاقياً وثقافياً، أو يبررون استمرارها مستغلين بروبغندا تمجد الديكتاتورية وتبرر القبلية وتزيف معني المناطقية.
أيُّ إبداع هذا الذي لا يرى دمعة أم؟
أيُّ ثقافة هذه التي لا تسمع أنين النازح واستعادة اللاحئ؟
وأيُّ فكر يستطيع أن يبرر جوع العامل، وانكسار الفقير، وضياع الطالب، وتشرد الأسرة؟
المثقف الحقيقي ليس موظفاً لدى السلطة، ولا محامياً عن البندقية، ولا مبرراً للقتل باسم القبيلة أو الجغرافيا أو الأيديولوجيا. وظيفته أن يرفع صوته حين يصمت الجميع، وأن ينحاز إلى الإنسان حين يصبح الإنسان مجرد رقم في نشرات الأخبار.
المبدع الحقيقي يقف مع السلام، والجمال، وراحة البال، وحق الناس في الحياة الكريمة. يقف مع أماني العمال والكادحين والفقراء، مع الأطفال الذين يريدون مدرسة لا خندقاً، ومع الأمهات اللواتي يردن خبزاً وأماناً لا أخباراً عن القتلى.
الحرب لا تحتاج إلى شعراء يجمّلونها، ولا إلى روائيين يمنحونها بطولة زائفة، ولا إلى مثقفين يضعون الدم في قوالب نظرية باردة. الحرب تحتاج إلى من يوقفها.
وسيذكر التاريخ، في النهاية، من وضع الوطن في حدقات عينيه، ولم يسمح للخندق أن يسرق منه بصيرته؛ من اختار الإنسان على البندقية، والسلام على الحرب، والحياة على الموت.
التحية لكل المبدعين الذين ظلوا أوفياء لوطنهم، ووضعوا السودان في حدقات عيونهم، ورفضوا أن يكون الإبداع ستاراً للحرب أو الثقافة خادمةً للدم.

Leave a Reply