زكريا نمر
ليست العلمانية ذلك الشبح الذي يتربص بالإيمان كما يتخيلها بعضنا، ولا هي الوصفة السحرية الجاهزة لبناء دولة عادلة كما يروج لها بعض المتحمسين. بين هذا الخوف المبالغ فيه وذلك الحماس الأعمى، يضيع النقاش الجاد، ويتحول المفهوم إلى ساحة صراع رمزي أكثر منه موضوعاً للفهم والتحليل. في التجربة الغربية، لم تولد العلمانية من فراغ، بل جاءت نتيجة مسار تاريخي طويل من الصراع بين المؤسسة الدينية والسلطة السياسية، ومن تحولات فكرية عميقة أعادت طرح سؤال الحرية والضمير وحق الاختلاف. هناك كان السؤال بسيطاً في صياغته، عميقاً في دلالته: كيف نحمي إيمان الفرد من هيمنة الدولة، ونحمي الدولة من احتكار الحقيقة باسم الدين؟ لذلك ارتبطت العلمانية بفكرة المواطنة وسيادة القانون وضمان الحقوق، ولم تكن في أصلها حرباً على الدين بقدر ما كانت محاولة لتنظيم العلاقة بينه وبين السلطة.
أما في كثير من بلداننا، فقد دخلت العلمانية بوصفها مصطلحاً مستورداً، مثقلاً بحمولات سياسية واستعمارية، ومطروحاً غالباً من نخب معزولة عن المزاج الاجتماعي العام. لم تنبع من تطور داخلي طبيعي في بنية الدولة، بل قفزت إلى السطح كشعار جاهز. لذلك كان من الطبيعي أن تستقبل بالريبة، لا لأن الناس يرفضون العدالة، بل لأنهم يخشون ضياع هويتهم أو إقصاء دينهم من المجال العام. إن بعض المدافعين عن العلمانية يقدمونها بخطاب لا يقل إقصاءً عن الخطاب الذي ينتقدونه؛ يختزلون الدين في صورة جامدة، ويحملونه وحده مسؤولية التخلف والاستبداد، وكأن التاريخ السياسي في عالمنا لم يعرف استبداداً علمانياً أيضاً. في المقابل، يختزل خصوم العلمانية الفكرة في عداء مطلق للدين، دون محاولة لفهم تنوع نماذجها وتجاربها المختلفة.
المشكلة الحقيقية ليست في المصطلح ذاته، بل في هشاشة الدولة وضعف مفهوم المواطنة. الدولة التي ما تزال أسيرة القبيلة أو الطائفة لن تنقذها عبارة علمانية مكتوبة في دستورها. والمجتمع الذي لم يتدرب بعد على إدارة التعدد والاختلاف لن تُحل أزماته بمجرد فصل شكلي بين الدين والسياسة.
ما يربكني في أغلب النقاشات حول العلمانية هو طابعها الشعاري: أن تكون مع أو ضد، دون أن تسأل: أي علمانية نريد؟ وفي أي واقع؟ ولخدمة أي مشروع مجتمعي؟ هل نبحث عن حماية حرية المعتقد؟ أم عن تحجيم نفوذ المؤسسة الدينية؟ أم عن إعادة توزيع السلطة داخل الدولة؟ هذه الأسئلة الجوهرية غالباً ما تغيب، لتحل محلها معارك هوية حادة لا تنتج سوى مزيد من الاستقطاب.
أنا لا أرى العلمانية خصماً للدين، ولا أراها خلاصاً مطلقاً. أراها إطاراً من بين أطر متعددة يمكن أن تنظم العلاقة بين السلطة والمجتمع، نجاحه أو فشله مرتبط بصدق النوايا وبطبيعة السياق التاريخي والثقافي. ما نحتاجه حقاً ليس استيراد المفاهيم ولا شيطنتها، بل تفكيكها وإعادة قراءتها بما يناسب واقعنا.
عندما نبني دولة قانون تحترم الإنسان بوصفه مواطناً قبل أي انتماء آخر، سيصبح النقاش حول العلمانية نقاشاً عقلانياً هادئاً، لا معركة وجودية حول الإيمان والهوية. عندها فقط يمكن للفكرة أن تأخذ حجمها الطبيعي، لا أكبر ولا أصغر.
#ملف_الهدف_الثقافي #ثقافي_الهدف_105 #مقالات #فكر_وسياسة #العلمانية #دولة_المواطنة

Leave a Reply