نظرية الشباك المكسور (1)

صحيفة الهدف

فخرالدين حسب الله

كنت أجلس أمام البيت في مدينة صغيرة اسمها باول (Powell)، على بُعد فركة كعب من كولومبوس، تحت شجرة لطيفة كنت أتناول قهوتي، اعتدت أن أجلس في ظلها.

وفجأة لفت انتباهي رجل سبعيني تقريباً، يتمشى مع كلبه. كان الرجل أنيقاً، مرتباً، وفي كامل لياقته الرياضية، بل بدا لي، في تلك اللحظة، أكثر شباباً مني!

توقف الرجل فجأة، وأخرج كيساً صغيراً من جيبه، وانتظر حتى أنهى كلبه حاجته، ثم انحنى ونظّف الرصيف بعناية. فعل ذلك بهدوء شديد، ومن دون أن يلتفت حوله أو يبحث عن عين تراقبه أو رقيب يخشى منه.

المشهد في حد ذاته، بسيط جداً، وربما لا يستحق كل هذا التأمل. لكنه جعلني أفكر.

هنا كل شيء تقريباً موضوع في مكانه، البيوت، الشوارع، صناديق البريد، الأرصفة، المساحات الخضراء، النظافة… وحتى التفاصيل الصغيرة التي قد لا ينتبه إليها أحد. ليس المطلوب منك أن يأتي شخص ليقول لك كل مرة ماذا تفعل، إذ يكفي أن تعمل وفق ما استقر عليه المجتمع من قواعد وسلوك وثقافة عامة.

وفي لحظة، اشتغلت عندي تلك الذاكرة اللعينة!

بدأ شريط آخر يمر أمام عيني، ممنوع التبول يا ح.مار!

وضجيج الركشات: طررر… طررر…

الناكوس في مشروع الجزيرة، والعشوائية في السلوك، ومن يكوم بصقته ويقذفها كيف شاء، في الطريق، أي مكان أو قدام الناس، ومشاهد أخرى كثيرة مؤلمة.

قلت لنفسي: يا إلهي… كيف وصلنا إلى هذا الخراب في كل شيء؟

وهنا تذكرت نظرية الشباك المكسور (Broken Windows Theory).

ظهرت هذه النظرية واشتهرت في علم الاجتماع وعلم الجريمة من خلال مقال نشره عام 1982 الباحثان جيمس ويلسون وجورج كيلينغ. وتقوم فكرتها الأساسية، بصورة مبسطة، على أن علامات الفوضى والإهمال الصغيرة، إذا تُركت بلا معالجة، قد تشجع على ظهور مزيد من الفوضى والمخالفات.

تخيل مبنى فيه نافذة مكسورة، إذا بقيت النافذة مكسورة على حالها لفترة طويلة، ولم يُصلحها أحد، فقد يبعث ذلك رسالة ضمنية إلى الآخرين بأن المكان مهمل، وأن لا أحد يهتم بما يحدث فيه. وقد يؤدي ذلك إلى كسر نوافذ أخرى، ثم ظهور الكتابات على الجدران، وتراكم القمامة، والتخريب، ومع الوقت يمكن أن تتدهور البيئة الاجتماعية بصورة أكبر.

الفكرة هنا ليست أن نافذة مكسورة واحدة تؤدي حتمًا إلى جريمة خطيرة، وإنما أن الإهمال المتكرر قد يغيّر الطريقة التي ينظر بها الناس إلى النظام والقواعد وما هو مقبول وما هو غير مقبول.

وهنا تكمن أهمية النظرية بالنسبة لي.

فالمشكلة ليست دائمًا في المخالفة الكبيرة التي نراها في نهايات الطريق، وإنما ربما في التفاصيل الصغيرة التي سمحنا لها بأن تصبح عادية.

حين نتسامح مع مخالفة صغيرة، ثم أخرى، ثم أخرى، يبدأ معيار المقبول في التحول تدريجياً.

ما كان مستهجناً بالأمس يصبح عادياً اليوم.

وما كان عادياً اليوم قد يصبح مقبولًا غداً.

ثم يأتي وقت لا نعود فيه قادرين على تحديد اللحظة التي تغير فيها كل شيء.

وهذا ما يمكن أن نسميه تطبيع الفوضى؛ إذ يتحول السلوك المخالف من شيء يلفت الانتباه ويستوجب الرفض، إلى شيء مألوف لا يثير استغراب أحد.

وقد ينطبق الأمر نفسه، بصورة أوسع، على العنف والجريمة والفساد وانتهاك القانون. فحين تتكرر المخالفات ويصبح التعامل معها قائماً على التساهل أو اللامبالاة، تتغير الحدود النفسية والاجتماعية لما يعتبره الناس مقبولًا.

ولذلك، فإن حماية المجتمع من الانهيار لا تبدأ دائماً من معالجة الكوارث الكبيرة، وإنما قد تبدأ من أشياء تبدو تافهة جداً، رصيف نظيف، قانون يُحترم، قمامة تُرفع، مخالفة تُمنع، ممتلكات عامة تُصان، وسلوك غير لائق لا يتحول إلى عادة.

ومن هنا يمكن أن نقرأ كثيراً من الظواهر التي نعيشها في السودان من زاوية الشباك المكسور.

بل يمكننا أن نكبر الصورة أكثر، وننظر إلى المسألة على مستوى المجتمع والدولة، اجتماعياً، واقتصادياً، وثقافياً، وسياسياً.

ماذا يحدث عندما نتعامل مع الإهمال الصغير باعتباره أمراً لا يستحق الاهتمام؟

ماذا يحدث عندما يصبح خرق القانون أمراً معتاداً؟

ماذا يحدث عندما نتسامح مع الفساد الصغير، والعنف اللفظي، والفوضى، والتعدي على الحقوق، ثم نكتشف بعد سنوات أن كل هذه التفاصيل الصغيرة قد تراكمت لتصنع مشهداً أكبر بكثير من قدرتنا على السيطرة عليه؟

ربما لا يكون الشباك المكسور هو سبب الخراب وحده، لكنه قد يكون إشارة مبكرة إلى أن شيئاً ما بدأ في الانكسار.

وهنا، تحدحديداً، يبدأ السؤال الأهم:

هل كانت أزماتنا الكبيرة وليدة لحظاتها، أم أنها بدأت قبل ذلك بسنوات، من تفاصيل صغيرة لم نأخذها على محمل الجد؟

هذه مجرد مقدمة للدخول إلى عُصب الموضوع، وقد تكون هذه بداية سلسلة من التأملات حول الفوضى، والقانون، والثقافة، والمجتمع، وما يمكن أن تخبرنا به نظرية الشباك المكسور عن بعض ما جرى ويجري في السودان.

يتبع…

#ملف_الهدف_الثقافي #ثقافي_الهدف_105 #مقالات #فكر_واجتماع #نظرية_الشباك_المكسور #السودان

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.