أحمد نصر
بيروت كانت أول مدينة أراها في حياتي بعد مغادرتي لبلادي الحبيبة، التي ودعتها في بواكير شبابي وسنين عمري التي لم تتجاوز العشرين عاماً وقتها. لم أمكث في بيروت طويلاً، رغم حبي لها النابع من افتتاني بها، ومجيئي إليها وأنا مسكون بحب فيروز ومحمود درويش، وصخرة الروشة، ومطابعها التي كانت تنتج ما تنتجه من روايات ودواوين شعر ودراسات ومجلات وصحف. كنت أنوي البقاء في بيروت.. ولكن!
عندما طلبوا مني التوجه إلى بغداد، حزمت حقيبتي الوحيدة، متوجهاً إلى الأردن ومنها إلى بغداد.
في بغداد التقيت كمال حسن بخيت، الذي كنت أقرأ له باستمتاع صحفياً لامعاً في «الأيام»، وفارساً لمنوعاتها وحواراتها الفنية. التقيت كمال رفيق غربة ونضال؛ احتواني باهتمامه وإخوته ونصائحه، وكان يعمل بصحيفة «الثورة»، وعملت أنا بصحيفة «الجمهورية». كنا نلتقي يومياً، فإذا لم يكن في شقته، كان ضيفي في شقتي، إلى جانب لقاءاتنا التي لا تنقطع في المهام والواجبات الأخرى وقتها.
كانت سيارته هي المتاحة للتجوال في بغداد، وزيارات الأصدقاء، وزياراتنا أنا وهو إلى حدائق بابل المعلقة، وسلمان باك، وإيوان كسرى، ومرقد الحسين… إلخ.
وترافقنا معاً في جبهات القتال في الح.رب العراقية الإيرانية، وكان ثالثنا الودود الراقي، الإعلامي القدير الأستاذ أحمد قباني، له الرحمة والمغفرة.
كان كمال كتلة من النشاط والحيوية، وصاحب علاقات واسعة مع كل مشاهير العراق في السياسة والثقافة والشعر والرواية، بل ومع مشاهير الوطن العربي في كافة المجالات. وكانت بغداد وقتها هي الملاذ والحضن الدافئ لكل أبناء الوطن العربي الذين كانت تخنق حياتهم أنظمة الحكم في أقطارهم. تتلاحق منتدياتها ومهرجاناتها وملتقياتها السياسية والثقافية والفنية.
وكنا نلاحق هذه الفعاليات دون أي إحساس بالتعب، وكان كمال يبدد أي إحساس بذلك بقفشاته والتقاطه للمواقف والتعليق عليها.
كان كمال يلاحقني بنصائحه وتعليماته الأخوية، وكان له رأي في بعض ما أقوم به. كان يضايقه سهري شبه اليومي، ويستغرب من التسكع الذي أمارسه ما بين شارع السعدون وحدائق أبي نواس. وعندما لا يستطيع أن يضبط إيقاعي على موجهاته، كان يدخل إلى شقتي ويحمل بعض «ملابسي وغياراتي»، ويقول لي آمراً: «يلا»! وتكون الوجهة شقته، لأقضي معه نحو أسبوعين وفق ضوابطه غير المكتوبة.
عملت معه في مكتب مجلة «الوطن العربي» ببغداد، الذي كان مديره. لم يكن كمال يريد أن يتركني لأي وقت فراغ؛ لذلك كانت أوقاتي ما بين الصحيفة والمجلة والحوارات والمنتديات… إلخ.
اختلفنا أنا وهو كثيراً، واتفقنا. وكانت خلافاتنا تنتهي بانتهاء النقاش. وكنت عندما «أزعل منه وأنقطع» نتيجة خلاف ما، يأتيني مبادراً، تسبقه ضحكته: «يا قدة.. إنت يعني زعلان؟ أرح نكمل الزعل الشايلو ده»!
لا يعرف الخصومة، ولا «يشيل» في قلبه أو دواخله. أقصى ما يملكه عتابه، وبأسلوبه هو.
وكمال، كما هو معروف، تقلد منصب رئيس التحرير في عدة صحف، ومديراً لمكاتب عدة صحف عربية، وكان له الفضل في دعم الكثير من الأقلام الشابة، التي أتاح لها أوسع الفرص، وشجعها وعزز ثقتها بنفسها، مثلما فعل ذلك مع الكثير من الفنانين والشعراء والكثير من الأسماء الإذاعية والتلفزيونية.
كمال كان ودوداً وإنسانياً، طيب القلب، ضحوكاً، ترافقه قفشاته والتقاطه للمواقف والتعليق عليها.
موجع هو رحيله. أحزنني وأبكاني، لكنها إرادة الله ومشيئته. سأفتقده صديقاً عزيزاً قريباً إلى نفسي، ونفتقده قلماً متمكناً ورشيقاً، وصحفياً له اسمه وتاريخه في كتاب الصحافة السودانية.
له الرحمة والمغفرة وجنة الخلد.
#ملف_الهدف_الثقافي #ثقافي_الهدف_105 #صحافة #سودان #العراق #وفيات #ثقافة

Leave a Reply