من جحيم الحرب إلى مصائد الانحراف: شباب السودان في مواجهة عدو أكثر خطورة

صحيفة الهدف

عبدالمنعم مختار

لم تكن الحرب السودانية “البائسة” مجرد رصاصٍ ومدافع ومسيرات وبيوتٍ تُهدم وعفش وثروات تُشفشف ومدنٍ تُفرَّغ من سكانها فقط، فهناك على صفة أخرى حرب مختلفة وإن كانت أكثر هدوءاً، لكنها قد تكون أشد فتكاً بالمستقبل: حربٌ تستهدف الإنسان من الداخل ومن أعمق نقطة، تطارد جيلاً كاملاً عبر اللجوء والتشرد والانكسار النفسي والاجتماعي.

الشاب السوداني الذي نشأ في مجتمع محافظ، تحكمه الأسرة والجيرة والمسجد والمدرسة وحكمة الشيخ ووصايا الحبوبات ورمضان والتراويح وتلاوة القرآن والسحور واحتفالات الأعياد واللهو البريء، وجد نفسه فجأة خارج بيئته، في دولٍ تختلف في قوانينها وعاداتها وتقاليدها وأنماط حياتها وإيقاع حركتها الزمنية عما عاشه وآلفه. وما كان يراه في السودان بعيداً أو محرماً ومن رابع المستحيلات، أصبح أمام عينيه قيد أنملة منه متاحاً ومفتوحاً: بارات، خمور، سهر دائم حتى الفجر، كابريهات، تعرٍّ، حشيش ومخدرات، علاقات عابرة، وبيئات اجتماعية لا تشبه كثيراً ما آلفه.

المشكلة ليست في اختلاف تلك المجتمعات عن مجتمعاتنا، ولا في إدانة شعوبٍ تستضيف اللاجئين، وإنما في صدمة الانتقال نفسها؛ شاب بين ليلة وضحاها فقد وطنه، ومدرسته أو جامعته وصحبة رفاق العمر وعمله وأسرته أحياناً، ونمط حياة تعود عليه وفي نفس الوقت يحمل في داخله خوف الحرب ومرارة اللجوء، ثم يجد نفسه أمام عالم جديد بلا رقابة أسرية ولا سند اجتماعي. هنا يصبح الفراغ أرضاً خصبة للحشيش والمخدرات والإدمان والاستغلال والعنف والجريمة والانحراف، وقد يتحول الهروب من جحيم الحرب إلى جحيم آخر أكثر خفاءً.

تشير تقارير صحية إلى أن الحرب والنزوح في السودان تسببا في أزمة إنسانية وصحية هائلة، وأن ملايين السودانيين اضطروا إلى مغادرة البلاد، فيما تواجه الدول المضيفة ضغوطاً كبيرة على أنظمتها الصحية. كما تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى مؤشرات مقلقة بشأن الصحة النفسية وسط النازحين، بما في ذلك الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة، في وقتٍ لا تزال فيه بيانات الإدمان محدودة.

وفي هذا المناخ يصبح خطر الأمراض المنقولة جنسياً، ومنها فيروس نقص المناعة البشرية “الإيدز”، جزءاً من المشهد الذي يحتاج إلى مواجهة علمية لا إلى الصمت أو الوصم. وتؤكد UNAIDS أن الوقاية والفحص والعلاج المبكر أدوات أساسية للحد من انتقال الفيروس، وأن الأشخاص الذين يعيشون مع الفيروس يمكنهم، مع العلاج، الوصول إلى كبت فيروسي يحمي صحتهم ويقلل انتقاله.

الأخطر أن يعود الشباب إلى السودان محملين بجراح لا تظهر في صور الحرب. قد يعود أحدهم مدمناً، أو مضطرباً نفسياً، أو مصاباً بمرضٍ يحتاج إلى علاج، أو حاملاً لسلوكيات جديدة اصطدمت فجأة بقيم مجتمعه القديم.

لذلك فإن معركة السودان القادمة ليست فقط إعادة إعمار الطرق والمستشفيات والمدارس والجامعات والخدمات الأساسية، بل إعادة بناء الإنسان نفسه: مراكز للشباب، علاج نفسي، برامج لمكافحة الإدمان، توعية صحية، فحوصات طوعية وسرية، دعم اجتماعي، وفرص تعليم وعمل تعيد للشباب معنى الحياة والانتماء.

فإذا كانت الحرب قد هدمت البيوت، فعلينا ألا نسمح لها بأن تهدم الجيل الذي كان يفترض أن يبنيها من جديد.

#ملف_الهدف_الثقافي #ثقافي_الهدف_105 #السودان #ح.رب_السودان #شباب #مجتمع #ثقافة

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.