رحلتي إلى “الرحلة أنثى”

صحيفة الهدف

 النور أحمد

نصٌّ خارجٌ عمّا تواضعت عليه من تعريفات الأجناس الأدبية في قواميس النقد الأدبي.

هذه الكتابة لا تنتظر أن تُقاد، ولكنها تقود.

وهي أيضاً، ليست بحاجة إلى من يقدّمها للقارئ، ولكنها تقدّم نفسها في جرأةٍ ومكر. فهي وسيط نفسها غير المحايد، عندما يتعلق الأمر بتجاوز العادي والمطروق، أو عند موت همة الخلق.

لذلك: وأنا أتهيأ للدخول إلى فضائها، تفكرت مبتدئاً في تاء تأنيث هذه الرحلة الكتابية، ولمحت فخاً مموهاً في هذه التاء؛ قد يقودني إلى وكر نمر الكتابة، المتربص دائماً بالغفلة، ومدمني السهو القرائي. وعندما توغلت في شعابها، تأكدت من ارتياباتي، في أنثويتها – الكتابة -، بذريعة تاء التأنيث المعلقة على قفاها كقفير النحل، فقلت لنفسي إن هذا الفخ، حتماً سيقودني إلى ملاحقة أنثى متوهمة؛ أنثى كتابية مراوغة، تتخفى في براعة اللغة، وفي الجرأة على تجاوز المألوف، وجموح الخيال الذي يفتك بالمتواضع من الأخيلة دونما رحمة.

هذه الكتابة لن تجد فيها الأنثى المتواضع عليها اجتماعياً، ولكن من المؤكد أنك ستجد أنثى الكتابة. وهي أنثى نادراً ما اهتم بها القراء أو النقاد! فهي لا تُرى إلا في غيم المجاز، أو كثافة الاستعارات!

لذلك نزعت كل أردية العادي والميت من المتوافق عليه من ألبسة القراءة. وتخليت عامداً عن لغة القواميس وتوابيت اللغة، وقلت: هذه كتابة لا تدخلها إلا كفاحاً مسلحاً بوعي عنيد، ومعتمداً المواجهة مع لغة تخلت عن وقارها الاجتماعي ومشت في طريق الخروج.

ستة وأربعون نشيداً تتكون منها جغرافية هذه «الكتابة»، يختتمها منتصر ليؤكد مكيدته عند العتبة الأولى لهذه «الكتابة»: «الأنثى هي التي تتصدر فكرتي كل الصباحات، هي المبتسمة في جواري بلا مغالاة ولا غيبوبة… هي وحظي بهما فقط..46». وبذلك يعقد ما بين باب الدخول وعتبة الخروج، ماراً بكل تضاريس ومنحنيات النص؛ فأراه يمعن في تمتين الفخ – فخ الأنثوية -.

تتفاوت الأناشيد المشيدة لهذا البناء الكتابي، طولاً وقصراً. وما بين الشذرة: «لا تدوري بالرقص.. هناك مؤامرة كونية تحدث في استدارة خصرك»، وبين نشيد يسكن صفحة كاملة من صفحات الكتابة، ويتواصل تفجّر اللغة ومتاهات المجاز والصور الشعرية المارقة.. تدهش.. تبهر.. ولا تغادرك قبل أن تملأك حيرةً.

في هذه «الكتابة» المتداعية، تصطدم بالأخيلة فوق العادي والمتآلف عليه في دنيا الكتابة. وقد تصطدم كثيراً بتاء التأنيث المضللة، حيث إنك لن تلتقي إلا بالتأنيث الذي لا تعرفه، والذي اخترعه منتصر إرواءً لشغفه بالغريب! ورغبته في التجاوز.

ستضل إن رحت تبحث في هذه «الكتابة» عن ما تعرفه، حيث إن كاتبها مهووس بما لا يعرفه سواه، سواءً على مستوى استعمال اللغة، أو الأخيلة التي تراوده في صحوه وسهوه.

وقلت لنفسي، ستضلّ أكثر إن نفرت من قساوية اللغة، والجامح من الأخيلة، والتي يرتكبها منتصر بغاية النجاة بكتابته من المستهلك، والمتفق عليه! ولذلك لن تجد مبتغاك في ما يرقنه هذا الكاتب. فإن نفرت مستجيباً لذائقتك العادية فاتك خيرٌ ثقافيٌّ وفير! وذلك حين اصطدامك بـ«.. هناك شيءٌ فادح يسندني، لعلّه قميصك الغارق في العطر»، أو «من يرتجز كبحيرة هائجة»، أو «كيف تهرع خطوتي وأنا يسكنني كل هذا الرمل الملتاع»، فإما أن تخترع مكيدة للتعامل الآمن مع هذه «الكتابة»، أو ستقع فريسة سهلة لنمر الكتابة، والذي يتربص بالقارئ عند كل منحنى منها، وذلك يحول بينك وبين الخير الإبداعي المتمكن من أوصال هذا النص المترع بالأخيلة والاستعارات والمجازات والصور الكتابية المخترعة، ويتركك جثة لا تصلح إلا لسكنى الموت! في كنف العادي المتفق عليه.

وأنا أفارق عاديتي داخلاً حديقة هذه «الكتابة»، أتحمل كامل وزر معاناتي التي لاقيتها في الطريق إلى اختراع نسختي من هذه «الكتابة» والتي توافق مزاجي القرائي، دون الالتفات إلى نوايا الكاتب، وإن كنت أعوّل عليها كثيراً ذريعة لاحترامه.

عزيزي المغامر، والداخل متاهة هذه «الكتابة»؛ أنت أمام مُغلقٍ مفاتيحه معك، وليست في «بسطام»، إنها ليست مخبأة داخل المتن، برغبة التمويه! ويمكنك إن فتحت باب الخروج – دون تهيب – على العادي والمتفق عليه من أبواب القراءة، ودلفت تجاه المختلف عليه؛ أمكنك اختراع نسختك التي تطمئن إليها من هذه «الكتابة» والتي تتوافق ومزاجك الثقافي في يسرٍ، وتكون بذلك قد ساهمت في قراءة مبدعة قد تسعد الكاتب و«الكتابة».

#ملف_الهدف_الثقافي #ثقافي_الهدف_105 #قراءات_نقدية #نصوص #أدب #ثقافة

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.