- أفضل أن أعرّف نفسي بوظيفتي الأولى خطاط لافتات القماش في سوق أم درمان
- الفن ينبغي أن يرافق الإنسان في كل ممرات حياته؛ في الحرب كما في السلم، وفي الإقامة كما في النزوح
- الكتابة والرسم نافذتان أطل منهما على العالم، ورئتان أتنفس بهما الحياة
- الناس وجدوا في كتاباتي ما كانوا يريدون قوله.. لذلك رأوني أتحدث بلسانهم
- إذا كانت الجذور عميقة، فلا خوف على الأشجار من العواصف.. ولن أسمح للحرب أن تنتزع سكينة روحي
- المباني يمكن إعادة تشييدها متى توفر المال، أما ترميم المعاني والوجدان فيحتاج إلى جهد كبير
- الفن يشبه التطعيم ضد الكراهية والعنصرية؛ لا يوقف المرض بالكامل، لكنه يمنح المجتمع قدرة أكبر على المقاومة
- أعمل حاليًا على إعداد مسودة كتاب بعنوان “هكذا نجونا… مذكرات حرب“
سهل الطيب ليس مجرد خطاط ومصمم بارع، بل فنان يرى العالم بعين اللون، ويعيد تشكيله بحس جمالي رفيع. يمزج الألوان كما لو كان يؤلف مقطوعة موسيقية، ويمنح الحرف حياة تتجاوز وظيفته إلى فضاء الفن والإبداع. وفي الكتابة، يمتلك أسلوبًا آسِرًا يجمع بين سلاسة التعبير وعمق الفكرة، حتى وُصفت لغته بأنها من “السهل الممتنع”. لذلك وجدت مقالاته وكتاباته انتشارًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي، وحظيت بآلاف القراءات والتفاعلات، لما تحمله من جمال الأسلوب وصدق الرؤية.. له في ملف الهدف الثقافي عددًا من النصوص، استقبلها القراء بحفاوة كبيرة، لما فيها من حس إنساني وجمالي يلامس الوجدان.
في هذا الحوار، “الهدف” تقترب من تجربة الفنان سهل الطيب؛ وتستمع إلى رؤيته حول دور الفنان والمثقف في ترميم ما هدمته الحرب، وإحياء قيم السلام، ومواجهة خطاب الكراهية والعنصرية والجهوية، إيمانًا بأن الثقافة تظل الطريق الأقصر نحو استعادة الوطن.
حوار: عبدالمنعم مختار
#في البداية، نود أن تقدم نفسك للقراء عبر بطاقة شخصية مختصرة، وتحدثنا عن أبرز محطات رحلتك الفنية والإنسانية.
أفضل أن أعرّف نفسي بوظيفتي الأولى: خطاط لافتات القماش في سوق أم درمان. وأعتقد أن عبارة “سوق أم درمان”، رغم قصرها، تختزن عددًا هائلًا من التقاطعات الإنسانية المشتركة بين الناس الذين عاشوا في هذا الحيز الجغرافي العظيم، وكانت تلك المدرسة هي التي صنعت جانبًا كبيرًا من تجربتي الفنية والإنسانية.
#متى اكتشفت شغفك بالخط العربي والتصميم، ومن هم الفنانون أو المدارس التي أسهمت في تشكيل تجربتك؟
الشغف بالفن يبدأ غالبًا في الطفولة المبكرة. هناك انجذاب داخلي نحو الخط العربي أو التلوين أو الكتابة، وهذا الانجذاب يقود صاحبه إلى البحث والتنقيب والتجريب، حتى يجد الإنسان نفسه وقد أصبح جزءًا من هذا العالم، لا مجرد متفرج عليه.
#تمتاز أعمالك بحس لوني استثنائي، كيف تتعامل مع اللون، وما الفلسفة التي تحكم اختياراتك الجمالية؟
الحس اللوني هو حصيلة بحث وتجريب وانفعال دائم مع مساحات اللوحة. والاستثناء ضرورة لكل فنان، لأن لكل تجربة إحساسها المختلف، وهو ما يمنح العمل شخصيته الخاصة. وأنا أؤمن إيمانًا راسخًا بأن الفن ينبغي أن يرافق الإنسان في كل ممرات حياته؛ في الحرب كما في السلم، وفي الإقامة كما في النزوح، وألا يقتصر حضوره على صالات العرض أو مقتنيات الزينة، لأن الفن ضرورة قصوى لا فكاك منها.
#إلى جانب الفن التشكيلي، عُرفت كاتبًا يمتلك لغة جذابة وأسلوبًا سهلًا ممتنعًا. كيف تلتقي الكتابة مع الرسم في مشروعك الإبداعي؟
الكتابة والرسم نافذتان أطل منهما على العالم، ورئتان أتنفس بهما الحياة. وكما أرى أن اللوحة لا ينبغي أن تبقى حبيسة صالة العرض، فقد اتخذت من سوق أم درمان مدرسة للكتابة. وما زلت أرى نفسي مدينًا للأغلبية الصامتة من أهل السوق؛ فقد عشت بينهم، وعرفت هواجسهم وأحلامهم، وقضيت معظم سنوات حياتي مع العتالة، والعربجية، والكماسرة، والسماسرة، وصغار وكبار التجار.
#حظيت كتاباتك بانتشار واسع في وسائل التواصل الاجتماعي. ما سر هذا التفاعل في رأيك؟ وكيف تنظر إلى تأثير المنصات الرقمية على المشهد الثقافي؟
أظن أن الناس وجدوا في كتاباتي ما كانوا يريدون قوله. ربما تسرعت قليلًا فكتبت وسجلت ما كان يعتمل في داخلهم، لذلك رأوني يتحدث بلسانهم. أما الفضاء الأزرق فهو سلة واسعة تستقبل عددًا هائلًا من الرسائل، لكن من الطبيعي ألا تكون كل تلك الرسائل جيدة بالضرورة.
#كيف أثرت الحرب في السودان على حياتك الشخصية وتجربتك الفنية؟ وما الذي تشعر بأن الحرب انتزعته من الفنان والإنسان؟
دائمًا أقول: إذا كانت الجذور عميقة، فلا خوف على الأشجار من العواصف. ورغم الحزن والفقد، فلن أسمح للحرب أن تنتزع سكينة روحي أو إيماني الراسخ بأننا قادرون على النهوض من جديد. نحن ندفع اليوم الثمن الباهظ للغفلة، وكما قيل: على قدر الغفلة تأتي الصفعة، وإن لليقظة ثمنًا باهظًا.
#برأيك، ما الدور الذي يمكن أن يؤديه الفنانون والمثقفون في ترميم الوجدان السوداني واستعادة الثقة بين أبناء الوطن؟
دور الفنان يتعاظم في أوقات الأزمات. فالمباني يمكن إعادة تشييدها متى توفر المال، أما ترميم المعاني والوجدان فيحتاج إلى جهد كبير، وهنا يأتي الدور الحقيقي للفن.
#كيف يمكن للفن أن يواجه خطاب الكراهية والعنصرية والجهوية، وأن يسهم في ترسيخ ثقافة السلام والتسامح؟
دائمًا ما أقول إن الفن يشبه التطعيم ضد الكراهية والعنصرية. قد لا يوقف المرض بالكامل، لكنه يمنح المجتمع قدرة أكبر على المقاومة. ولذلك علينا أن نحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لأن الفن ضرورة قصوى لا فكاك منها.
#ما أبرز التحديات التي تواجه الخط العربي وفنون التصميم اليوم في السودان، وما الذي يحتاجه هذا المجال ليستعيد حضوره وريادته؟
دخول التكنولوجيا وبرامج التصميم أثّر على الخط بوصفه مهنة، لكنه في الوقت نفسه قدّم فرصًا جديدة للخطاط بوصفه فنانًا يمارس الخط كفن جمالي وإبداعي، وليس مجرد حرفة.
#أخيرًا، ما المشاريع التي تعمل عليها حاليًا؟ وما الرسالة التي تود توجيهها إلى الشباب السوداني الذي يحاول أن يصنع الأمل وسط كل هذا الركام؟
أعمل حاليًا على إعداد مسودة كتاب بعنوان “هكذا نجونا… مذكرات حرب”، وهو مجموعة من النصوص التي تتناول سنوات الحرب وتحديات البقاء. أما رسالتي للشباب فهي ألا يفقدوا إيمانهم بالحياة، وأن يتمسكوا بالفن والجمال والمعرفة، فهذه هي الأسلحة التي تعين الإنسان على النجاة، وتمنحه القدرة على إعادة بناء الوطن والروح معًا.
#ملف_الهدف_الثقافي #ثقافي_الهدف_105 #حوار_العدد #سهل_الطيب #فن_تشكيلي #خط_عربي #الثقافة_السودانية

Leave a Reply