بين الصحفي المصري سيّد نصّار والسياسي السوري ميشيل عفلق : الكلمة الصادقة حينما تكون في وقتها

صحيفة الهدف

بقلم الأستاذ عزالدين القوطالي ـ تونس

الصحفي سيد نصار هو كاتب وباحث مصري معروف اشتهر بمواقفه القومية الجريئة وآرائه السياسية الثاقبة وكتاباته الصحفية المشاغبة وظهوره التلفزي المثير للجدل ، حيث تصدر المشهد الإعلامي العربي في أوائل الألفية الثالثة من خلال حضوره الدائم في برامج القنوات الفضائية الكبرى وبصفة خاصة قناة الجزيرة القطرية أين أنتصب مدافعًا شرسًا عن العروبة وقضاياها ووقف بالمرصاد في وجه أبواق أنظمة الخليج والرجعية العربية فاضحًا توجهاتها المعادية للقضايا العربية العادلة في فلسطين والعراق على وجه التحديد …

كان سيّد نصّار صديقًا شخصيًا للشهيد القائد صدّام حسين إذ تعود علاقتهما إلى بداية الستينيات من القرن العشرين حينما لستقرّ صدام حسين بالقاهرة للدراسة، ويتحدّث سيد نصّارعن تلك العلاقة في حوار مع جريدة اليوم المصرية بتاريخ 5 جانفي 2004 فيقول : أنا صديق قديم لصدام منذ أن جاء لمصر لاجئًا سياسيًا بعد محاولته اغت.يال الرئيس العراقي الأسبق عبد الكريم قاسم عام 1959 ، وقتها كانت القاهرة خلية نحل سياسية تضم كل المناضلين العرب، وكنا أنا وصدام نلتقي في مقاهي معروفة بالقاهرة مثل مقهى ريش أو انديانا ضمن مجموعة أخرى من اللاجئين من مختلف الدول العربية لتبادل الآراء والتناقش حول قضايا القومية العربية .. وبعد عودته للعراق وتوليه منصب رئيس الجمهورية لم تنقطع الصلة به بل كانت لي لقاءات عدة معه آخرها اللقاء الذي جمعنا في شهر نوفمبر عام 2003 قبل سقوط بغداد …

ولقد كانت العلاقة التاريخية بين الصحفي سيد نصّار والقائد الشهيد صدام حسين مدخلِا طبيعيًا لتعرّف الصحفي المصري على الأستاذ ميشيل عفلق الذي لم يكن غريبًا عن مصر وأهلها بحكم زياراته المتعددة إلى القاهرة وعلاقات الصداقة التي تربطه ببعض المثقفين والسياسيين في مصر خلال فترة الوحدة السورية المصرية، إضافة إلى تردّد اسمه في مجالس السياسة التي جمعت سيّد نصّار بصدّام حسين وأغلب اللاجئين العرب في تلك المرحلة .

وكغيره من المثقفين الصادقين مع أنفسهم ومع التاريخ ، أصرّ سيّد نصّار على تقديم شهادته حول فقيد البعث والأمة العربية الأستاذ ميشيل عفلق ، كما ألحّ على أن تكون شهادته مكتوبة وموثقة وهو ما تمّ فعلًا إذ تولّت جريدة الثورة العراقية نشر كلمته التأبينية كاملة على صفحاتها بتاريخ 30 جوان 1989، وتحت عنوان : رحيل الأستاذ، كتب الصحفي سيّد نصّار قائلًا : مثله مثل غيره من كلّ الرواد في التاريخ العربي القومي، لم يعش الأستاذ ميشيل عفلق لنفسه بقدر ما عاش لغيره ومن أجل أمته وقوميته، فعل ذلك عبد الرحمن الكواكبي والشيخ محمد عبده وبطرس البستاني وقسطنطين زريق وساطع الحصري وغيرهم، ولكن الأستاذ عفلق لم يتوقف عند حدود الفكر والتنظير وإنما قرن الفكر بالعمل وأسس حزب البعث وجعل قضية الوحدة العربية تشغل مكانة محورية في الفكر القومي العربي، بل يمكن القول إن الوحدة العربية كانت الهاجس الدائم للأستاذ إذ امتلكت كلّ حياته، وإذا كان الآخرون لم يذهبوا إلى أبعد من المطالبة بالإصلاح فإن الأستاذ ميشيل عفلق استطاع أن يغرس في الوجدان والعقل العربيين هاجس الدولة العربية الواحدة، وأنه لمن الصعب على الباحث العربي أن يخفي إعجابه بعبقرية هذا المناضل والمفكر الفذ …

ومن الجدير بالذكر أن الصحفي سيّد نصار كان حضر مراسم تشييع الأستاذ ميشيل عفلق إلى مثواه الأخير وقد انتابته أثناء الحضور نوبة من الحزن الشديد والأسى العميق ، فكانت دموعه تنهمر رغمًا عن إرادته وكأن الفقيد أبوه أو أمّه أو أحد أفراد عائلته المقرّبين ولهذا يقول سيّد نصّار : لا أعرف لماذا أثارت فيّ وفاة الأستاذ كل هذه المشاعر وأنا أشترك في تشييع جنازته داخل مبنى القيادة القومية في بغداد، وعلى أيّة حال لم يكن ذلك مصادفة بقدر ما هو ضرورة فرضتها مشاعر الأسى على واحد من مفكري العرب العظام إذ جاء رحيله ليذكرنا جميعِا بواقعنا وما نعيشه من فرقة وتشرذم برغم ما نبّه إليه الأستاذ من خطورة استمرار الخلاف والاختلاف ، لكن يبقى عزاؤنا في فقدان مناضل ومفكر في حجم الأستاذ ميشيل عفلق أنه حلم وفكّر وأسّس فمات وهو مطمئن إلى أن ما تركه هو أمانة في يد أمينة، وتلامذته يملأون الأرض العربية ويبشرون بالمبادئ التي ناضل من أجلها … نام قرير العين هادئًا مطمئنًا بعد انتصار العراق على العدوان الفارسي، وبعد أن عاش ورأى بعينيه أفكاره ونظرياته في مجال التطبيق، لم يمت الأستاذ مثل الإنسان العادي وإنما مات بعد أن ملأ دنيا العرب بأفكاره وشعاراته وترك فكرة حيّة قابلة للتطبيق، كان ككل الروّاد العظام في التاريخ متفائلًا حتى في أحلك الظروف وأقصاها وفي حالة الانكسار وما أكثرها، لم ييأس الأستاذ من الانكسارات وإنما جعلها نقطة البداية شارحًا وموضحًا لتلامذته ومريديه مواطن الضعف والقصور وكيف يمكن تفاديها …

ولعلّ هذه الشهادة التاريخية هي الأهمّ من بين كلّ الشهادات التي أدلى بها أصدقاء الأستاذ ميشيل عفلق ومناصروه إذ صدرت من صحفي مصري محايد لا تربطه أية رابطة تنظيمية بحزب البعث وهو ما يجعلها شهادة صادقة ونابعة من جوهر الحقيقة التي أراد خصوم عفلق أن يطمسوا معالمها إلى الأبد فجاء من يفضح نواياهم ويكشف بهتان ما يعملون …

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.