زكريا نمر
ليست الرواية مجموعة أحداث تتعاقب على الورق، ولا سلسلة مفاجآت تنتهي بخاتمة صادمة، كما يظن كثير من الكتاب الجدد. الرواية، قبل كل شيء، هي عالم إنساني، والعالم لا يصنعه المكان ولا الزمن، بل الإنسان الذي يعيش فيه. ولهذا، فإن الشخصية ليست عنصراً من عناصر الرواية، بل هي الرواية نفسها. فحين تفشل الشخصية، تفشل الرواية مهما بلغت براعة الحبكة، ومهما ازدانت اللغة بالبلاغة والاستعارات.
إن الأزمة الكبرى التي تعاني منها الرواية العربية اليوم ليست أزمة لغة، ولا أزمة موضوعات، وإنما أزمة شخصيات. فالقارئ أصبح يخرج من مئات الروايات وهو يتذكر العنوان، وربما يتذكر النهاية، لكنه ينسى جميع الشخصيات؛ لأنها لم تكن شخصيات أصلاً، بل كانت مجرد أصوات يتحدث الكاتب من خلالها، أو دمى يحركها لخدمة أفكاره الأيديولوجية. إن الشخصية الروائية ليست موظفاً يؤدي وظيفة داخل النص، وليست أداة لتوصيل رسالة أخلاقية أو سياسية، بل كائن مستقل يمتلك منطقه الخاص، وتاريخه، ووعيه، ونقاط ضعفه، ورغباته، وأوهامه. وعندما يتعامل الكاتب مع شخصياته بوصفها أدوات، فإنه يقتل فيها الحياة قبل أن يكتب السطر الأول.
لقد صنعت الشخصيات الخالدة مجد الرواية العالمية أكثر مما صنعتها الحبكات. فما الذي بقي من رواية «آنا كارنينا»؟ ليست القصة وحدها، بل المرأة التي تحولت إلى رمز للصراع بين الرغبة والواجب. وما الذي جعل “راسكولنيكوف” يعيش حتى اليوم في ذاكرة القراء؟ ليس لأنه قت.ل عجوزاً، بل لأنه جعلنا نعيش داخل عقل قاتل يبحث عن تبرير فلسفي لجريمته، ثم ينهار تحت وطأة الضمير. وكذلك الأمر مع شخصيات كثيرة أصبحت أكبر من مؤلفيها؛ لأنها تجاوزت الورق لتصبح جزءاً من الوعي الإنساني. يكمن الفرق بين الكاتب الحقيقي والكاتب العادي هنا؛ فالكاتب العادي يبتكر أحداثاً ثم يبحث عن شخصيات تؤديها، أما الروائي الكبير فيخلق شخصية حقيقية، ثم يتركها تصنع الأحداث بنفسها. ولهذا تبدو الروايات العظيمة وكأنها لم تُكتب، بل حدثت فعلاً.
ومن الأخطاء الشائعة أن تتحول الشخصيات إلى نماذج مثالية؛ كالبطل الشريف الذي لا يخطئ، والشرير الذي لا يعرف سوى الشر، والمرأة الطاهرة أو المرأة الخائنة، والمثقف الذي يمتلك جميع الإجابات. هذه الشخصيات ليست سوى كائنات ورقية، لأن الإنسان الحقيقي خليط من الفضيلة والرذيلة، ومن القوة والضعف، ومن العقل والاندفاع. فكل شخصية تخلو من التناقض هي شخصية فاقدة للحياة.
إن الشخصية الروائية العظيمة ليست تلك التي تشبه الملائكة، وإنما تلك التي تشبه البشر. إنها تخطئ، ثم تندم، ثم تكرر الخطأ، وتتناقض مع نفسها، وتغير مواقفها، وتفاجئ القارئ كما تفاجئ نفسها. فالتناقض ليس عيباً في البناء الروائي، بل هو جوهر الإنسان. ومن المؤسف أن كثيراً من الروايات العربية ما زالت تكتب شخصياتها بمنطق الوعظ؛ فالبطل لا يتحرك إلا ليقول رأي الكاتب، والشرير لا يوجد إلا ليبرهن على فساد خصومه، والشخصيات النسائية كثيراً ما تتحول إلى أدوات تجميل أو ضحايا دائمات، بينما تختفي إنسانيتها الحقيقية. وبهذا تتحول الرواية إلى خطاب سياسي أو اجتماعي متنكر في هيئة عمل أدبي.
الرواية ليست محكمة لإصدار الأحكام، بل مختبر لفهم الإنسان. والكاتب العظيم لا يطلب من القارئ أن يحب شخصياته أو يكرهها، وإنما يجبره على فهمها، حتى وإن كانت قاتلة أو خائنة أو أنانية. فالفن الحقيقي لا يبسط الإنسان، بل يكشف تعقيده. إن الشخصية لا تُبنى بالوصف الخارجي، ولا بعدد الصفحات التي تظهر فيها، وإنما بالدوافع الداخلية. لماذا تفعل ما تفعل؟ ما الذي تخشاه؟ ماذا تريد؟ ما الذي تخسره؟ وما الذي يجعلها مستعدة لتغيير حياتها؟ هذه الأسئلة هي التي تصنع الشخصية، لا لون عينيها ولا طول قامتها. كما أن الشخصيات الثانوية ليست أقل أهمية من البطل، فكثيراً ما تكون الشخصية الهامشية أكثر حضوراً من الشخصية الرئيسية، لأنها كُتبت بصدق، بينما كُتب البطل باعتباره “بطلاً” فقط.
وفي الروايات الكبرى، تتحول الشخصيات إلى مرايا للمجتمع. فكل شخصية تمثل طبقة، أو فكرة، أو أزمة تاريخية، أو تناقضاً حضارياً، لكنها لا تتحول إلى شعار سياسي، بل تبقى إنساناً قبل كل شيء. فالرمزية الناجحة لا تلغي الفرد، بل تنطلق منه. إن القارئ لا يعود إلى الروايات العظيمة من أجل الأحداث، لأنه يعرفها مسبقاً، وإنما يعود ليعيش مع الشخصيات مرة أخرى. وهذا هو الامتحان الحقيقي لأي رواية: هل تبقى شخصياتها حية بعد إغلاق الكتاب؟
إن الرواية التي لا تخلق شخصيات مستقلة ليست سوى حكاية طويلة. أما الرواية الحقيقية فهي التي تجعل القارئ يشعر بأن أبطالها يعيشون في مكان ما خارج صفحات الكتاب. وحين ينجح الكاتب في صنع هذا الإنسان، يكون قد صنع أدباً قادراً على مقاومة الزمن؛ لأن الأحداث تُنسى، أما الشخصيات العظيمة فلا تموت.

Leave a Reply