د. سلمى نايل
في كل بيت سوداني خارج الوطن، لم تعد الغربة وحدها هي الوجع، بل انضم إليها همٌّ جديد يثقل كاهل الأسر كل يوم: الانخفاض المستمر في قيمة الجنيه السوداني. وبين إيجارات ترتفع، وأسعار معيشة لا ترحم، ومدخرات تتآكل، يقف آلاف اللاجئين والنازحين عاجزين أمام واقع اقتصادي يزداد قسوة.
لم تعد معاناة السودانيين في دول اللجوء تقتصر على ألم الغربة والحنين إلى الوطن، بل أضيف إليها عبء اقتصادي ثقيل مع التراجع المستمر في قيمة الجنيه السوداني. فكل انخفاض جديد لا يُقاس بالأرقام وحدها، بل يُقاس بوجبة تُحذف من المائدة، ودواء يُؤجل، ورسوم دراسة يعجز الأب عن سدادها، وأمٍّ تخفي دموعها حتى لا يرى أبناؤها حجم القلق الذي يسكن قلبها.
كثير من الأسر كانت تعتمد على مدخرات جمعتها قبل الحرب، أو على تحويلات تصلها من داخل السودان أو خارجه، لكنها اليوم تكتشف أن تلك الأموال لم تعد تكفي لتغطية أبسط احتياجات الحياة. وبين ارتفاع الأسعار في دول اللجوء وتراجع قيمة العملة، أصبحت الأسرة السودانية تخوض معركة يومية للحفاظ على كرامتها واستقرارها.
ولا تطرق هذه الأزمة أبواب الجيوب فقط، بل تمتد إلى النفوس أيضاً. فيسيطر القلق على الآباء، ويشعر الأبناء بالحرمان، وتزداد الخلافات الأسرية بسبب الضغوط المعيشية، بينما يحمل الجميع هماً أكبر من طاقتهم.
فكيف يمكن تجاوز هذه الأزمة؟
أولاً، علينا أن ندرك أن الأزمة، مهما طالت، فهي ليست قدراً دائماً، وأن الاستسلام لها لن يغير الواقع. ومن الحكمة إعادة ترتيب الأولويات، وترشيد النفقات دون المساس بالضروريات، والبحث عن مصادر دخل إضافية، والاستفادة من المهارات والخبرات التي يمتلكها أفراد الأسرة.
كما أن التكافل بين السودانيين في المهجر أصبح ضرورة لا ترفاً. فمساندة الأسر المتعففة، وتبادل الفرص، وتخفيف الأعباء عن المحتاجين، كلها صور مشرقة تعكس أصالة مجتمعنا، الذي عُرف دائماً بالتراحم والتكاتف.
أما الأهم، فهو ألا نسمح للأزمة الاقتصادية بأن تهزم أرواحنا أو تزرع اليأس في بيوتنا. فالأموال قد تنقص، لكن الأمل، والتعاون، والإيمان بالله، هي الثروة التي لا تنخفض قيمتها.
ولا ننسى أن الأزمات الاقتصادية امتحان للصبر، لكنها أيضاً فرصة ليكتشف المجتمع قوة تماسكه. وسيبقى السودانيون، مهما اشتدت الظروف، قادرين على تجاوز المحن ما داموا متكاتفين، مؤمنين بأن بعد العسر يسراً، وأن للوطن يوماً يعود فيه الأمن والاستقرار، وتعود معه الطمأنينة إلى كل بيت سوداني.

Leave a Reply