زغا السوداني… حين يحرس أبناء الوطن جلاديه

صحيفة الهدف

عبدالمنعم مختار

في ذروة ح.رب التحرير الجزائرية، هناك على أرض المليون شهيد، وقف الرقيب الأول “زغا”، الجزائري المولد والانتماء، بين الجنرال الفرنسي بيجار ورصاص الثوار، إثر الكمين الذي نصبه ثوار جبهة التحرير الوطني لتصفية بيجار، فافتدى قائد الاحتلال بحياته. مات دفاعاً عن رجل ارتبط اسمه بالتعذيب والقت.ل والتنكيل بالثوار الجزائريين، حتى قال فيه بيجار وهو يودعه في جنازته العسكرية التي نظمها له الاحتلال الفرنسي: “لقد كان أخي.” لم تكن تلك الحادثة مجرد قصة وفاء بين جندي وقائده، بل كانت تجسيداً للمفارقة الأكثر قسوة في التاريخ؛ أن يتحول ابن الوطن إلى درع يحمي محتلاً يعذب أبناء وطنه، ويبطش بالمقاومين الأبطال، ويسحق كرامة شعبه.

هذه القصة لا تخص الجزائر وحدها، بل تتكرر في كل الأزمنة ومختلف الأوطان. فما من احتلال أو سلطة غاشمة ظالمة استطاعت البقاء بقوتها المجردة، وإنما بأبناء البلاد الذين وضعوا أنفسهم في خدمة المحتل والظالم، واعتبروا الدفاع عنه فضيلة، ولو كان الثمن معاناة أهلهم وذويهم وأبناء شعبهم.

أما في السودان فحدث ولا حرج، فالمشهد لا يختلف كثيراً. فوسط الخراب الذي يعيشه المواطن، الموت البشع والمسيرات والدانات والأسلحة الكيمياوية والجوع الذي يطرق كل الأبواب، وانهيار الخدمات، وضياع الأمن، ونزوح ولجوء وهجرة ملايين السودانيين، يخرج من بين صفوف هذا الشعب من يبرر للسلطة الغاشمة ظلمها وتجبرها، ويدافع عن الفساد، ويزين نهب المال العام، ويغض الطرف عن تشريد وتعذيب أبناء شعبه. والمفارقة المؤلمة أن كثيراً منهم ينحدرون من البيئات نفسها التي أنهكها الفقر، وحُرمت من العلاج والتعليم، ومن أبسط حقوقها في حرية الرأي والمعتقد والمشاركة في إدارة الشأن العام، فيصبح الواحد منهم شريكاً في الظلم الواقع على أهله قبل أن يكون شريكاً في ظلم وطنه.

ولذلك لم يكن علماء الأمة يعدّون الظلم مسؤولية الحاكم وحده، بل مسؤولية كل من أعانه عليه. فقد سُئل الإمام سفيان الثوري رحمه الله: من أعوان الظلمة؟ فقال: “من برى لهم قلماً، أو ناولهم دواة.” وهي كلمة تختصر فلسفة المسؤولية الأخلاقية في الإسلام؛ فالإعانة على الظلم، مهما صغرت، تجعل صاحبها شريكاً في تثبيت أركانه. فإذا كان من يناول الظالم دواة أو يهيئ له قلماً يُعد من أعوانه، فكيف بمن يحرس سلطانه، أو يبرر جرائمه، أو يزين فساده، أو يشارك في قمع الأبرياء وسلب أقوات الناس وحرمانهم من حقوقهم؟ إن الظلم لا يصنعه المستبد وحده، وإنما يصنعه أيضاً أولئك الذين يمنحونه الأيدي التي يبطش بها، والألسنة التي تدافع عنه، والوجوه التي تجمل صورته أمام الناس.

ولعل من أشهر الأمثلة التاريخية على خطورة المتعاونين مع الظالم ما ارتبط باسم ابن العلقمي، وزير الخليفة العباسي المستعصم بالله، الذي ظل في الوعي العربي الإسلامي رمزاً للخيانة السياسية. فقد نُسب إليه التواطؤ مع التتار وإضعاف الدولة العباسية قبيل سقوط بغداد عام 1258م. الحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان هي أن بغداد لم تسقط بقوة الغزاة وحدها، بل أسهم في سقوطها أيضاً الانقسام الداخلي، وضعف الولاء، وتغليب المصالح الشخصية على مصلحة الأمة. وذلك هو الدرس الذي يتكرر في كل العصور؛ فالأوطان لا تُهزم حين يعبر الأعداء حدودها فحسب، وإنما حين يجدون في داخلها من يفتح لهم الأبواب، أو يبرر جرائمهم، أو يصمت عن فسادهم، أو يبيع ضميره طمعاً في منصب أو منفعة.

وليس كل هؤلاء أشراراً بطبيعتهم، فبعضهم ضحايا لآلة إعلامية ضخمة تتقن صناعة الوهم. فالبروباغندا، حين تمتلك المنابر، تستطيع أن تقلب الحقائق، فتجعل اللص حامياً للوطن، والمستبد منقذاً، والفاسد مصلحاً، والضحية متهماً، والمطالب بحقه خائناً أو عميلاً. ومع التكرار، والخوف، وضيق المعيشة، يصبح كثير من البسطاء والسذج والمنتفعين وضعاف النفوس أسرى لرواية واحدة، فيدافعون عن من يسلبهم حقوقهم، ويخاصمون من يسعى لاستعادتها. وهكذا يتحول الإعلام من وسيلة لبناء الوعي إلى أداة لتزييفه، ومن منبر للحقيقة إلى مصنع لإنتاج الطاعة العمياء.

لكن التاريخ لا يرحم. فهو لا يخلد أسماء الذين حملوا السلاح دفاعاً عن الظالم، بل يضعهم في الهامش المظلم من صفحاته، بينما يحتفظ بمكانة لمن وقفوا مع شعوبهم، ولو دفعوا الثمن غالياً. إن الأمم لا تنهزم فقط حين تكون قوة خصومها أكبر، وإنما حين يفقد بعض أبنائها القدرة على التمييز بين الوطن والسلطة، وبين الولاء للمبدأ والولاء للمصلحة. وحينها يصبح أخطر أعداء الوطن ليس من يأتيه من خارجه، بل من يخرج من بين أبنائه ليحرس أبواب الظلم، ويمنح الطغيان عمراً أطول.

ولعل أعظم دروس التاريخ أن الأوطان لا يخونها الغرباء وحدهم، بل يخونها أيضاً أبناؤها حين يبيعون ضمائرهم في سوق السلطة. فالطغاة يرحلون، والمناصب تزول، وتبقى المواقف وحدها شاهدة على أصحابها. ومن اختار أن يكون سيفاً في يد الظالم فلن يذكره التاريخ إلا باعتباره جزءاً من منظومة الظلم، أما الوطن فلا يحفظ في ذاكرته إلا الذين انحازوا إلى الحق، ودفعوا ثمن ذلك صبراً وتضحية. فالأوطان لا يهزمها الأعداء بقدر ما يهزمها أولئك الذين يقفون في صف أعدائها وهم يظنون أنهم يحسنون صنعاً.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.