شريان السودان العظيم من خط النفط إلى خط الحياة

صحيفة الهدف

هشام هباني
بعد أن تنتهي هذه الحرب، وتنكشف فداحة الخراب الذي أصاب الإنسان والأرض والدولة، لن يكون سؤال السودان الحقيقي هو: من يرث السلطة؟ بل سيكون السؤال الأكبر: كيف نعيد بناء الوطن؟ وكيف نحول الحرب من لعنة إلى فرصة تاريخية لإعادة التفكير في مستقبل السودان؟
إن سودان ما بعد الحرب لا يحتاج إلى خطب سياسية جديدة، ولا إلى وعود حزبية مستهلكة، بل يحتاج إلى مشروع قومي جامع يلمّ شتات الوطن، ويعيد الثقة إلى أهله، ويمنح النازحين واللاجئين والشباب والمزارعين والرعاة سبباً للبقاء والعمل والأمل. ومن هنا تبرز فكرة شريان السودان العظيم: تحويل خط النفط الحالي، أو الاستفادة من مساره وبنيته التحتية، ليصبح أساساً لمشروع وطني لنقل المياه، وبعث الزراعة، وإقامة الصناعة، وإنهاء التهميش.
لقد كان خط النفط في يوم من الأيام رمزاً لعصر النفط السوداني. امتد من مناطق الإنتاج البعيدة في اقصى جنوب غرب الوطن حتى بورتسودان على البحر الأحمر، عابراً الصحارى والسهول والولايات، ومثبتاً أن الهندسة قادرة على ربط أقصى الوطن بأقصاه. لكن بعد انفصال جنوب السودان، ذهب معظم النفط إلى الدولة الجديدة، وبقي السودان مستفيداً في الأساس من رسوم عبور نفط الجنوب. وحتى هذه الفائدة لم تعد مضمونة، بعد أن كشفت الحرب هشاشة الاعتماد على خط واحد، ودفعت دولة جنوب السودان إلى التفكير الجاد في بدائل عبر شرق أفريقيا، سواء عبر كينيا أو إثيوبيا وجيبوتي.
فإذا كان النفط قد غادرنا أو قلّت فائدته، فلماذا يبقى الخط حبيس ذاكرة الريع القديم؟ ولماذا لا يتحول من خط حمل ثروة ناضبة إلى خط يحمل ثروة باقية؟ لماذا لا يتحول من خط نفط إلى خط حياة؟
إن الفكرة التي ننادي بها ليست خيالاً سودانياً معزولاً. ففي أمريكا نفسها توجد تجارب ومشروعات جادة تقوم على إعادة توظيف بعض خطوط النفط والغاز القديمة أو مساراتها في نقل المياه، أو استخدام أنابيب مشروعات نفطية ملغاة في مشروعات مائية وزراعية. وهذا يؤكد أن النظرية من حيث المبدأ ليست مستحيلة: فالبنية النفطية القديمة يمكن أن تتحول، بالدراسة والعلم والاشتراطات البيئية والهندسية، إلى بنية تخدم الماء والحياة.
ومن هنا يحق لنا في السودان أن نسأل: لماذا لا نستفيد من ذات النظرية التي أوصلت النفط من أقصى غرب السودان وجنوبه إلى بورتسودان على البحر الأحمر؟ فإذا كانت الهندسة قد استطاعت أن تحمل النفط عبر الصحارى والسهول والجبال والأنهار حتى الميناء، فلماذا لا تستطيع ذات العبقرية الهندسية أن تحمل المياه عبر نفس المسار أو بجواره، لتغذي شرق السودان وغربه ووسطه وشماله؟
ولا بد هنا من الدقة: ليس ضرورياً أن تُضخ مياه الشرب مباشرة داخل ماسورة النفط القديمة، فذلك يتطلب فحصاً صارماً بسبب احتمالات التلوث والتآكل وبقايا المواد النفطية. قد يقرر الخبراء تنظيف الخط وتبطينه واستخدام أجزاء منه، وقد يقررون أن الأفضل هو إنشاء أنبوب مياه جديد موازٍ داخل نفس الحرم، مستفيدين من المسار الجاهز، وحق المرور، ومحطات الضخ، والطرق المساندة، والقرب من الموانئ، والخبرات الفنية المتراكمة. المهم ألا تُهدر هذه البنية، وألا تظل شاهداً خاملاً على عصر مضى.
إن شريان السودان العظيم لا ينبغي أن يُفهم باعتباره أنبوباً واحداً يعتمد على مصدر واحد للمياه، بل ينبغي أن يُنظر إليه كمشروع مائي قومي متكامل، يتغذى من كل موارد السودان المائية المشروعة والمتاحة: من حصتنا في مياه النيل، ومن مياه الأمطار الموسمية عبر الحصاد المائي والخزانات والسدود الصغيرة، ومن المياه الجوفية بعد دراستها علمياً وضمان عدم استنزافها، ومن أي تنظيم مائي مستقبلي يمكن أن يتيحه واقع سد النهضة إذا أُدير التعاون الإقليمي بعقلانية وعدالة ومصالح مشتركة.
فالسودان ليس بلداً فقيراً في المياه، لكنه بلد عانى طويلاً من سوء إدارة المياه. عانى من الفيضانات حين تأتي المياه مدمرة، ومن العطش حين تغيب الإدارة، ومن التهميش حين لا تصل الموارد إلى الإنسان في مكانه. ولذلك فإن شريان السودان العظيم يجب أن يكون شبكة حياة لا ماسورة واحدة: خط رئيسي، وخطوط فرعية، ومحطات ضخ، وخزانات، وبحيرات صناعية، وقنوات ري، ومشروعات حصاد مياه، ومناطق إنتاج زراعي وحيواني وسمكي.
وأي فائض من المياه لا ينبغي أن يضيع في الفيضانات أو التبخر أو الإهمال، بل يمكن أن يُوجّه لإنشاء بحيرات صناعية في مناطق مختارة بعناية هندسية وبيئية. هذه البحيرات يمكن أن تصبح مصدراً إضافياً للحياة والتنمية: تخدم الزراعة والري، وتلطّف المناخ المحلي، وتدعم تربية الأسماك، وتفتح أبواب السياحة الداخلية، وتخلق منتجعات طبيعية، وأسواقاً للأسماك، وصناعات تبريد وتعليب ونقل، وتوفر فرص عمل واسعة للشباب والنساء والعائدين من النزوح واللجوء.
وبذلك لا يصبح المشروع مجرد ناقل للمياه، بل يصبح نظاماً وطنياً لإدارة الثروة المائية: يأخذ من النيل بحكمة، ويحصد المطر بدل ضياعه، ويحمي المياه الجوفية من الاستنزاف، ويستفيد من أي فائض أو تنظيم مائي إقليمي، ثم يحوّل ذلك كله إلى زراعة وصناعة وغذاء وأسماك وسياحة واستقرار.
إن شريان السودان العظيم ليس مشروع ماسورة فقط، بل مشروع وطن كامل. فحين تصل المياه إلى الشرق والغرب والوسط والشمال، ستنهض الزراعة أولاً، ثم تقوم الصناعة على كتف الزراعة: مصانع غذاء، زيوت، أعلاف، جلود، نسيج، تعليب، تبريد، تخزين، وأسواق حديثة. وستنشأ حول الخط مدن إنتاجية، ومراكز خدمات، ومحطات طاقة شمسية، ومشروعات حصاد مياه، وأحزمة خضراء توقف الزحف الصحراوي وتعيد الحياة إلى الريف.
وحين يجد الناس الماء والعمل والإنتاج، ستستقر القبائل. لن تعود الأرض سبباً للصراع الدموي، بل ستصبح مجالاً للتعاون والمصلحة المشتركة. لن يتقاتل الرعاة والمزارعون على مورد شحيح، إذا وُجدت مياه كافية، ومسارات منظمة، ومراعٍ محسّنة، وزراعة مخططة، وإدارة عادلة. إن كثيراً من صراعات السودان لم تولد من كراهية أصلية بين الناس، بل من الفقر والعطش والتهميش وغياب الدولة. فإذا حضر الماء، وحضرت الدولة العادلة، حضر السلام.
الماء هنا ليس مورداً طبيعياً فقط؛ الماء عدالة اجتماعية. الماء أمن قومي. الماء علاج تاريخي للتهميش. الماء هو الطريق لتحرير الأطراف من لعنة الإهمال، ولتحويل دارفور وكردفان والشرق والشمال والوسط من مناطق شكوى وحرمان إلى مناطق إنتاج وازدهار. وحين تنهض الأطراف، ينهض السودان كله.
ومن أعظم آثار هذا المشروع أنه يمكن أن يوفر ملايين فرص العمل: في الدراسات، والحفر، والإنشاء، والصيانة، والزراعة، والرعي الحديث، والتصنيع، والنقل، والتخزين، والتصدير، والخدمات، والسياحة، والثروة السمكية. سيجد الشباب بديلاً عن حمل السلاح، وسيجد النازحون طريقاً للعودة، وسيجد اللاجئون أملاً في وطن يستحق الرجوع إليه، وستجد المرأة الريفية مورداً قريباً للحياة بدل رحلة العطش والمهانة.
إن سودان المستقبل لن يُبنى بالانتقام، بل بالمشروعات الكبرى. ولن يُحمى بالشعارات، بل بالماء والغذاء والعمل والعدالة. ولهذا ينبغي أن يبدأ التفكير منذ الآن في دراسة قومية شاملة لمشروع شريان السودان العظيم، تشارك فيها الجامعات السودانية، وخبراء المياه، ومهندسو النفط، وخبراء البيئة، والسودانيون في المهجر، والشركات العالمية المتخصصة. يجب أن تُدرس مصادر المياه، والكميات المستدامة، والتكلفة، والمسارات، والبيئة، والتمويل، والحوكمة، ومخاطر الفساد، وحقوق المجتمعات المحلية.
فهذا المشروع لا يجوز أن يكون غنيمة لحزب، ولا صفقة لعسكر، ولا باباً جديداً للفساد. يجب أن يكون مشروعاً قومياً شفافاً، تحت رقابة الشعب والخبراء والقانون، لأن الماء إذا فسد أمره فسدت الدولة كلها.
لقد جرّب السودان اقتصاد النفط، فرأى كيف يمكن للثروة بلا عدالة أن تزيد الظلم والحروب. أما اقتصاد الماء والزراعة والإنتاج، إذا أُدير بعدالة، فيمكن أن يصنع وطناً جديداً. النفط سلعة تنضب، أما الماء حين يُدار بحكمة فهو حياة تتجدد. النفط جمع السلطة والمال في أيدي قلة، أما الماء فيمكن أن يوزع التنمية على ملايين الناس.
لهذا نقول:
كما حمل خط النفط ثروة السودان إلى البحر، فليحمل شريان السودان العظيم الماء إلى الإنسان.
وكما ربط النفط أقصى البلاد ببورتسودان، فلتربط المياه شرق الوطن بغربه، وشماله بجنوبه، وريفه بمدنه.
وكما كان النفط عنوان مرحلة ضائعة، فلتكن المياه عنوان نهضة قادمة.
إننا لا نطلب مستحيلاً، بل نطلب أن يفكر السودان بعقل المستقبل. نطلب أن يتحول خط النفط من أثر اقتصادي قديم إلى قاعدة لمشروع حضاري جديد. نطلب أن يصبح الماء أساس السلام، والزراعة أساس الصناعة، والعمل أساس الاستقرار، والعدالة أساس الوحدة الوطنية.
هذا هو الحلم العملي لسودان ما بعد الحرب:
شريان السودان العظيم… مشروع الحصة النيلية، ومشروع المطر، ومشروع المياه الجوفية، ومشروع البحيرات الصناعية، ومشروع السمك والسياحة والزراعة والصناعة، وخط السلام، وخط إنهاء التهميش، وخط عودة الوطن إلى أهله.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.