د. أحمد الليثي
لم يعد سؤال الشرّ اليوم سؤالًا لاهوتيًا مجرّدًا، ولا تأملًا أخلاقيًا معزولًا عن الواقع.
لقد صار سؤالًا يوميًا، يُطرح أمام صور الحرب، والقتل البارد، والتبرير المتقن للفظائع، حتى بات من المشروع أن نسأل دون مبالغة: هل أصبح الإنسان أسوأ من الشيطان؟
هذا السؤال لا يفترض براءة الشيطان، ولا يبرّئه، بل يعيد فحص موقع الإنسان من الشرّ:
هل ما نراه اليوم هو امتداد طبيعي للضعف البشري؟
أم أننا أمام تحوّل أخطر، حيث لم يعد الشرّ انحرافًا… بل ممارسةً واعية، مُنظَّمة، ومُقنَعة أخلاقيًا؟
الشيطان: شرّ بلا أقنعة
في الوعي الديني والرمزي، الشيطان كائنٌ واضح الوظيفة.
لا يدّعي الفضيلة، ولا يتخفّى خلف لغة القيم، ولا يتحدّث باسم العدالة أو الوطن أو المصلحة العليا.
هو يوسوس، يُغري، يضلّ… ثم ينسحب.
شرّه مباشر، وحدوده معروفة، ولا يحتاج إلى تبرير.
الشيطان لا يكتب بيانات.
لا يعقد مؤتمرات.
ولا يصوغ نظريات لتجميل أفعاله.
الإنسان: حين يصبح الشرّ عقلانيًا
الإنسان، على العكس، لا يكتفي بارتكاب الشرّ، بل يُفكّر فيه، ويُبرّره، ويحوّله إلى خيار ضروري.
لا يقتل فقط، بل يشرح لماذا كان القتل حتميًا.
لا يقمع فحسب، بل يؤسس خطابًا يجعل القمع واجبًا أخلاقيًا.
وهنا تكمن الخطورة:
أن يتحوّل الشرّ من فعل مدان إلى سياسة،
ومن خطيئة إلى برنامج عمل،
ومن انحراف فردي إلى سلوك جماعي منظم.
الكذبة الكبرى: خداع الذات
الشيطان لا يخدع نفسه.
يعرف تمامًا من يكون، وما الذي يفعله.
أما الإنسان، فموهبته الأخطر هي القدرة على تبرئة ضميره.
يقول:
* كنت أنفّذ الأوامر
* لم يكن لدي خيار
* المصلحة العامة تقتضي
* الجميع يفعل ذلك
بهذا المنطق، لا يعود الشرّ جريمة، بل “سوء تفاهم أخلاقي”.
الشرّ حين يصبح جماعيًا
الشيطان يعمل على الأفراد،
لكن الإنسان حين يذوب في الجماعة، قد يفعل ما لم يكن ليفعله وحده.
التاريخ لا تملؤه أساطير الشياطين،
بل سجلات بشرية دقيقة:
جنود، موظفون، قضاة، مثقفون، رجال دين…
كلّهم شاركوا بدرجات مختلفة في صناعة المأساة،
وكلّهم وجدوا لغة تبرّر المشاركة.
أفظع الجرائم لم تُرتكب بدافع الكراهية وحدها،
بل بدافع الطاعة، والانضباط، والإيمان بالقضية.
متى يصبح الإنسان أسوأ؟
ليس حين يخطئ.
ولا حين يضعف.
بل حين يعرف… ويختار رغم المعرفة.
حين يمتلك القدرة على الرفض، ثم يتنازل عنها طوعًا.
حين يستخدم العقل، لا لمقاومة الشر، بل لإدارته بذكاء.
في تلك اللحظة، لا يتفوّق الإنسان على الشيطان في القسوة،
بل في الوعي بما يفعل، ثم الإصرار عليه.
الوجه الآخر للسؤال
ومع ذلك، لو كان الإنسان شريرًا محضًا،
لما طُرح هذا السؤال أصلًا.
أن نسأل: هل أصبحنا أسوأ؟
يعني أن في داخلنا معيارًا لم يَمُت بعد.
يعني أن الضمير، وإن أُنهك، لم يُدفن.
وأن القدرة على الندم، والمراجعة، والتوبة… لا تزال ممكنة.
الشيطان لا يندم.
الإنسان يندم.
الشيطان لا يتغيّر.
الإنسان قادر، نظريًا على الأقل، على التغيّر.
محصّلة السؤال
الإنسان لا يُولد أسوأ من الشيطان،
لكنه قد يصير كذلك
حين يحوّل الشرّ إلى ممارسةٍ محترفة،
ويمنحه لغةً أخلاقية،
ويطالب الآخرين باحترامه.
السؤال الحقيقي ليس مقارنةً بين الإنسان والشيطان،
بل اختبارٌ للإنسان نفسه:
هل ما زلنا نمتلك الشجاعة لرفض الشرّ،
حين يكون مريحًا، ومربحًا، ومدعومًا بالأغلبية؟
هناك فقط… يُحسم الفرق.

Leave a Reply