الشيخ فرح
كان الضوُّ رجلاً مهووساً بالنظام والنظافة، ويعتبره البعض مجنوناً لكثرة قلقه واهتمامه بالتفاصيل الصغيرة، أما أنا فأضعه على حافة الجنون أو قريباً منه، على الرغم من الذكاء الحاد والنشاط المفرط الذي يتميز به.
نعيشُ في نفس البيت، ونعملُ في نفس الشركة، وتجمعُ بيننا قرابة الدم؛ فهو ابن عمي وصديقي.
يُسافرُ كل عامٍ عند موسم الحصاد إلى قريتنا الصغيرة، ويعودُ بعد أن يبيع محصوله ويستوفي جميع الحقوق التي عليه، ثم يأتي ليحكي لي عن رحلته. وغالباً ما يبدأ حكايته من رحلة “البص” إلى القطار، ثم بتفاصيلٍ مملةٍ عن من ركب معهم، ومن نزل، وماذا حدث في الطريق.
لكن في المرة الأخيرة حين رجع، لم يَحكِ شيئاً، كان القلق يظهر في عينيه ووجهه، وارتعاشة يديه وهو يقول لي:
إن بيد ابن أخيك مِخرزاً.
قلت له: احكِ لي عن رحلة “البص” ثم عن رحلة القطار.
قال: إن “البص” كان مكتظاً بالمسافرين، ولكن ابن أخيك كان يحمل مخرزاً في يده.
قلت له محاولاً امتصاص قلقه:
ما رأيك أن تحدثني عن رحلة القطار؟
أجاب والقلق يكاد يقتله:
كان مكتظاً أكثر من “البص”، ولا يوجد مكان لوضع حقيبتك، ولكن صدقني في يد ابن أخيك مخرزاً.
قلت له وقد يئست من جنونه وشكوكه التي بلا معنى:
إذن أخبرني عن ابن أخي والمخرز حتى ترتاح.
قال وهو في قمة التوتر والضيق:
رأيته للأسف وأنا بالبص المتجه إلى محطة القطار، وكان يلعب بالمِخرز.. هل تصدق؟ يلعبُ بالمُخرز!
واصل حديثه وقلقه الذي لا ينتهي فقال:
ناديته وأنا أنظر إليه من نافذة “البص”، صِحتُ إليه، ولكن تعرف الزحام، لم يسمعني، كما لم يهتم بصياحي أحدٌ من الركّاب وأنا أقول له: ليس المخرز يا ابني.
واصل حديثه ويداه ترتجفان:
حاولت النزول من “البص” لآخذ منه المخرز، أو على الأقل أُنبهه، ولكن الركاب كانوا قد سدّوا طريق الخروج، و”البص” كالمعتاد الركّاب الواقفون فيه أكثر من الجالسين في المقاعد. وللأسف تحرّك “البص” دون أن يترك لي مجالاً لأنبهه. حاولت الاتصال بأبيه، لكن هاتفه كان مغلقاً.
قلت في نفسي: هذا القلق والخوف والتوتر سببه أنه قد وصل إلى الجنون لا شك، وليس حافته كما كنت أعتقد.
قلت له:
نم الآن، وإن شاء الله بكرة ترتاح من هذه الهواجس.
حاولت الاتصال بأخي ولكن فعلاً هاتفه مغلق. كانت الساعة بعد منتصف الليل، وكنت مرهقاً غاية الإرهاق، فأجَّلت أي محاولة للاتصال بأحد من أسرتنا بالقرية حتى أغلق باب جنون الضو وهواجسه المُتعِبة، وقلت لنفسي: سننام الآن، فربما تنام قصة المخرز في رأس هذا المجنون، وغداً سنرى من الذي سيحدث.
صحوتُ الفجر، وشربتُ كوباً من الشاي، وتناولتُ هاتفي وفتحته لأجد رسالة من أخي بالبلد يقول فيها إن ابنَه قد فقأ عينه اليسرى بالمخرز.
#ملف_الهدف_الثقافي #قصة_قصيرة #أدب #سرد #المخرز #الشيخ_فرح

Leave a Reply