صلاح محمد الحسن
في روعة المساء الخريفي الأثيل، ونحن نوقد سراج التفاؤل بنعمة الأمان المستحيل، نجرف من آفاق أحلامنا خيوط اليأس التي تحاصر نوافذ الأمل المشرعة في شاشات حياتنا، حقلاً من الرجاء يزهر في حنايا الروح، ويثمر في القلب بما نأمله قريباً من مسرات ننعم فيها بعودة الغائبين، وبلقاء الأحبة؛ نترصد أخبارهم في الوسائط.
وأنا بين الأمل والرجاء، لطمني هاتفي على وجهي بثقله، ناعياً نفير الصمود عند المخاطر، الراكز حين الهرب، الفارس عند الحق؛ الزبير علي فضل المولى.
الزبير علي أوضة، كما تناديه المدينة التي لم يبرحها أتون الح.رب الضروس، عشيقها، الحافظ وُدّها وحواريها التي مشى فيها بالخير والمروءة ودماثة الأخلاق، وطيب هوائها، وعذوبة مائها. كان سادن الذاكرة وقيثارة الجمال، وعضدي حين تنسدل الخيبات في أرخبيل حياتنا. تشاطرنا الهم، والنعيمية، وقهوة الصباح.
سرنا معاً في دروب النضال، بلين طبعه، ودهشة صلابة إيمانه بقضايا ملح هذه الأرض وكادحيها. كان نقابياً جَلداً، منافحاً عن حقوق العاملين بهيئة توفير المياه، حيث ارتبط فيها برفيق دربه سعيد المهدي، عليه رحمة الله.
نعاه لي بكلمات فخيمات ذلك المثقف واسع الاطلاع، النَّهِم الذي لا يمل القراءة، والمتابع الحصيف البصير بالتحليل وربط الأشياء. كان هاشاً باشاً، تعلو محياه ابتسامة ودودة لا تفارقه.
ذهبت إليه مودعاً، مشفقاً عليه، فبادرني قائلاً: “لا تحزن… لم أشبع من هذه الحياة، ولن أستسلم.”
أخفيت دموعي في الدعاء، وقلت له: “سوف أنتظرك عريساً بإذن الله.”
عاماً إلا شهراً قضاه بالقاهرة، يجالد المرض في بسالة المقداد بن الأسود، الذي لم يتخلف عن غزوة قط. كنت أمازحه قائلاً: إنك تحب المقداد لأنه صهرك، فالمقداد زوج ضباعة بنت الزبير. فيضحك ملء حياتي، ثم يرد عليَّ: “لا يحب الشيعة من البدريين، بعد سيدنا علي كرم الله وجهه، إلا ثلاثة: أبو ذر، وسلمان الفارسي، والمقداد بن الأسود.”
ذلك المقداد الذي اتخذ الزبير من اسمه اسماً حركياً في مقتضيات التخفي والتأمين، في زمان تطوع فيه مقاتلاً في القادسية، مدافعاً عن مبادئه عند البوابة الشرقية للوطن العربي في العراق.
يا الله… انسدلت دموع الذكريات، وتزاحم حبر هذا المداد.
ارقد بسلام في حنايا قلوب عارفي فضلك، وأنعم بطيب أثرٍ حفرته بصبر في جبين هذه المدينة، وفي قلوب الرفاق.
اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعفُ عنه، وأكرم نزله، ووسّع مدخله، واجعل الجنة داره بغير حساب، واجمعنا به في مستقر رحمتك، يا أرحم الراحمين.
#ملف_الهدف_الثقافي #الزبير_علي_أوضة #رثاء #أدب_سوداني #سيرة

Leave a Reply