كواليس: المسرح السوداني والحاجة إلى عدو!!

صحيفة الهدف

خالد المبارك
(هذا جزء من مداخلة قدّمها الناقد المسرحي المستنير والمؤرخ المدقق د.خالد المبارك في جامعة الخرطوم عام 1978، وكان لها أثرها الكبير فيما بعد):
لو سُئلت عن أهم العناصر التي يفتقدها المسرح السوداني لأجبتُ بلا تردد: “يحتاج المسرح السوداني إلى عدو! نعم عدو”. وقد يقول قائل: وكيف؟ أليس في المسرح السوداني ما يكفيه من الأعداء؟
من أعدائه التخلّف الاقتصادي الذي يجعل السعي وراء لقمة العيش مهمةً أكثر إلحاحًا من التأمل في العلائق بين الأشياء أو بين البشر. وقديمًا قال ابن خلدون كلمةً عن الغناء تنطبق على المسرح، حيث ذكر أن صناعة الغناء “آخر ما يحصل في العمران”، تسبقها في ذلك ضروريات الأكل والشرب والبقاء على قيد الحياة والاطمئنان المادي. وفي كثير من الأحيان تخلق الضائقة المالية حاجزًا بين المسرح وجمهور عريض؛ فمن ذا الذي يضع ميزانية خاصة للمسرح وما في جيبه لا يكفي لدفع الإيجار وشراء الطعام والدواء للأطفال؟ الفقر والتخلّف أعداء للمسرح بلا شك.
ومن أعداء المسرح الشكوك المستندة إلى تفسير سطحي للمعتقدات أو الدين؛ والمنطق هنا يقول إنه لا مجال في عالم حادٍّ وقاسٍ لمساهمة فنٍّ أداته في بعض الأحيان الضحكة والمفارقة والمحاكاة، التي تُعد “في نظرهم” افتئاتًا على حق الخالق عز وجل.
ومن أعداء المسرح التخلّف الاجتماعي الذي يضع العراقيل في وجه الذين يمارسون التمثيل، لأن المتخلّف لا ينظر للفن كقيمة إنسانية، بل كخروج عن المألوف أو تقاليد المجتمع؛ وهنا يتبين مدى صعوبة الجهد الذي يبذلونه ونُبل المهمة التي يقومون بها.
ومن أعداء المسرح الأمية التي تحول بين المسرح وبين التعمّق؛ فالجمهور الأمي لا يشجع على اللمسات الدقيقة التي تحتاج إلى تدريب وإلى اطلاع قبل أن يُستفاد منها. الجمهور الأمّي قد يعجز عن تذوّق بعض الأشياء ويرفضها، و”الناس أعداء ما جهلوا” كما يقول المثل. قد يتذوق الجمهور الأمّي اللمسات الدقيقة في كرة القدم أو في الأكروبات، أما في المسرح فالأمر يختلف كثيرًا؛ الأمّية إذن، وعندنا منها ما يكفي حاجتنا ويزيد، عدوٌّ لدود من أعداء المسرح.
قد يعدّد شخص ما كل هذه العوائق وغيرها ويقول: “أما تكفي قائمة أعداء كهذه؟ كيف تدّعي أن المسرح بحاجة إلى عدو بعد كل هذا؟!”. وعندها أرد قائلًا: المسرح بحاجة إلى عدو فني. لقد ارتبط تطور الفنون على الدوام بالتمرّد، بالثورة على العتيق البالي، والدعوة إلى نظرة جديدة وتناول جديد، وفي أحيان كثيرة مدرسة جديدة. ولكن لكي يتمرّد المرء، لا بد أن يكون هناك شيء يستحق أن نتمرّد عليه في المقام الأول.
ارتبطت دعوة (إميل زولا) إلى “المسرح الطبيعي” بالهجوم على المسرح الرومانتيكي، حيث وصف المسرح الرومانتيكي بأقذع الألفاظ، معرّفًا إياه بقوله: “أقصد بالدراما الرومانتيكية كل مسرحية تسخر من الصدق في أشخاصها وأحداثها، وتتبختر في صندوق عرائس ممتلئة البطن بأصوات تتكسر لسبب مثالي أو غيره، لتصير محاكاة لشكسبير أو هوجو”. وجاء بعد (زولا) أوغست ستريندبيرغ مؤيّدًا هذا المذهب وساخرًا من “المقلاة التي تُرسم” ومن التصنّع في المسرح، وذلك في مقدمته المشهورة لمسرحية (الآنسة جوليا).
وإن شئنا أن نأخذ مثالًا آخر، فهناك تمرّد المسرحي الفرنسي أنطونين آرتو على المسرح الذي سبقه؛ إذ يذكر آرتو في بيان “مسرح القسوة” أن استمرار اتصال المسرح بالعلاقة السحرية بين الواقع والخطر يمثل نوعًا من العهر، ثم يدعو دعوةً لا تزال تتردّد، وقد حمل أحد مشاعلها المخرج الألماني فولفرام ميهرنغ، الذي زار الخرطوم بدعوة من معهد غوته في مطلع عام 1976م. يقول أنطونين آرتو: “بدلًا من أن نواصل الاعتماد على النصوص التي تُعتبر نهائية ومقدّسة، من الضروري أن نضع حدًا لخضوع المسرح للنص، وأن نسترد فكرة نوع فريد من اللغة تقع في منتصف الطريق بين الفكرة والإيماءة”.
بوسعنا أن نواصل عدّ الأمثلة، فنذكر تمرّد بريخت وغروتوفسكي على ستانيسلافسكي. ونذكر في مجال النصوص بالذات أن الاتجاه الطبيعي الذي بدأ بالسخرية من السابقين تعرّض بدوره لتمرّد زعزع أركانه وهدّ دعائمه؛ فقد سخر صامويل بيكيت ويوجين يونسكو وأضرابهما من المذهب الطبيعي، تمامًا كما سخر أمّيل زولا وأوغست ستريندبيرغ من المذهب الرومانتيكي.
إنها حركة فنية تستنفد أغراضها، ترتبط بتطورات معينة في المجتمع وفي الفنون الأخرى، ثم تصل الأمور إلى مرحلة يصيح فيها داعي التجديد ثانية؛ فيصير الجديد قديمًا ويُخلق الحديث. فالقديم ضروري لانتفاض الجديد؛ لأنه لا يتخلى عنه كليًا، بل يستند إليه كي يتحرك في اتجاه مغاير. القديم للجديد كدرجة السلم، نتركها خلفنا ولكننا نستند إليها لكي نصل إلى ما فوقها.
ولهذا فوجود “قديم”، أي وجود “عدو”، مهم لتطور الجديد واندفاعه، مهم لخلق الصراع الذي يُنبت فيه الجديد مقدرته وتفوقه وأحقيته في البقاء والسيادة. فوجود القوة المضادة مهم لتجميع الأدرينالين الضروري لمواجهة الجسد للأحوال الاستثنائية والطارئة. وجود العدو ضرورة إذن.. ولكن لنبحث معًا عن الاحتمالات علّنا نخرج بنتيجة تطمئن لها نفوسنا.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.