أ.د. أحمد إبراهيم أبو شوك
(1)
استنادًا إلى منجزات شعبة أبحاث السودان المتفردة وتوصيات المؤتمرات التي نظمتها، قَدَّم البروفيسور يُوسُف فضل حسن مقترحًا إلى إدارة جامعة الخرطوم لترفيع الشعبة التي أُسّست عام 1963 إلى معهد باسم معهد الدراسات الإفريقية والآسيوية. وبالفعل تمَّت إجازة الترفيع وتغيير اسم الشعبة إلى معهد الدراسات الإفريقية والآسيوية في سبتمبر 1972، بوصفه وحدة أكاديمية بحثية تابعة لكلية الآداب؛ لكن المعهدَ سرعان ما أصبح ذا شخصية اعتبارية مستقلة، تحت إشراف مديرٍ مسؤولٍ أمام مدير الجامعة ومجلس أساتذتها. وبموجب هذه النقلة النوعية، استمر يُوسُف مديرًا مؤسسًا للمعهد، الذي يتكون من ثلاثة أقسام أكاديمية-بحثية، تشمل: قسم الدراسات الإفريقية والآسيوية، وقسم اللغات السُّودانية، وقسم الفولكلور. وكُلِّف كل قسم منها بوضع برنامج أكاديمي على مستوى الدبلوم العالي، والماجستير، والدكتوراه. واحتوت هذه البرامج على مقررات لتدريس اللغات السواحلية، والهوساوية، والعبرية، والأمهرية. وإلى جانب هذه الأقسام الثلاثة تمّ تأسيس مكتبة المعهد، التي كانت الأستاذة الرضية آدم أول مديرة لها، وقامت بدور رائدٍ في إنمائها، فصارت فيما بعد قبلة للباحثين والدارسين من داخل المعهد وخارجه. وفي فترة إدارة يُوسُف (1972 – 1983) بلغت جملة منشورات المعهد والمتعاونين معه والراغبين في نشر مخطوطاتهم فيه نحو مئة وخمسين كتابًا في سلسلة (دراسات في التراث السوداني)، و(الكراسات غير الدورية)، و(مكتبة الدراسات السودانية) التي كانت تصدر بالتعاون مع قسم التأليف والنشر بجامعة الخرطوم. وكل هذه المنشورات كانت تُطبع بتصدير من يُوسُف، يُسهم في إعداده أحمد عبد الرحيم نصر، وسيد حامد حريز، وعبد الله علي إبراهيم. وبعد ذلك يقوم طلبة المعهد والمراسلات وعامل مطبعة الرونيو بطباعة 500 نسخة من كل عنوان، ثم إعدادها للنشر، وبعد ذلك تُرسل النسخة المطبوعة لمطبعة جامعة الخرطوم لتغليفها ووضع الأرقام المسلسلة عليها، واسم الناشر، وسنة النشر. ويضاف إلى سلسلة المنشورات المذكورة أعلاه، مجموعة أطروحات الماجستير “باللغتين العربية والإنجليزية” التي تعكس هوية المعهد والجهد الذي بُذل في وضع لبناته الأساسية، ونذكر منها: الأمين أبو منقة، (الجماعات اللغوية الهوساوية والفولانية في السُّودان: دراسة لمجتمع مايرنو في مديرية النيل الأزرق)، (1978)؛ إدوارد بول أيوم، (بعض مظاهر النظام الصوتي وعمليات تكوين جموع الأسماء في لغة دينكا بور)، (1980)؛ تيراب الشريف أحمد ناجي، (شعر بني هلبة الشعبي: أشكاله ومحتواه)، (1977)؛ رحمة الله محمد عثمان، (العون العربي لإفريقيا (1974-1977): التعاون بين الدول النامية)، (1979)؛ فاطمة سيد أحمد البيلي، (المشكلة الإرترية، 1941-1971) (1978)؛ جعفر طه حمزة، (المقاطعة العربية لإسرائيل)، (1979)؛ عثمان محمد بوقاجي، (دراسة مقارنة لحركة عثمان دان فوديو في أرض الهوسا في مطلع القرن التاسع عشر ومحمد أحمد المهدي في السودان في أواخر القرن التاسع عشر)، (1981)؛ سارة يُوسُف إسماعيل، (قريتان من جبال النوبة: دراسة لسانية اجتماعية لأم برمبيطة والفيض أم عبد الله)، (1978)؛ شرف الدين الأمين عبد السلام، (الهمبتة في السُّودان: أصولها، ودافعها وشعرها)، (1977)؛ عبد المتعال خليل مصطفى، (عادات الزواج عند البديرية)، (1977)؛ يُوسُف حسن مدني، (العنقريب: صناعة تقليدية للأسرة في السُّودان)، (1980).
(2)
إلى جانب السمنارات والندوات الدورية، حافظ المعهد على سُنَّة المؤتمرات الدولية التي وضعت شعبة أبحاث السودان لبناتها الأولى. ولذلك كانت فكرة المؤتمر الدولي الثالث عن (أواسط بلاد السُّودان: التقليد والتكيّف)، الذي عُقد في 8 – 13 نوفمبر 1977م بالخرطوم، استجابةً لإحدى توصيات المؤتمر الثاني عن (اللغة والأدب في السودان). ولإنفاذ برنامج المؤتمر شكَّل يُوسُف عددًا من اللجان الفرعية وترأس لجنة التسيير التي أشرفت على أعمال اللجان الأخرى ووفرت الدعم المالي للمؤتمر من مؤسسة فورد (The Ford Foundation)، واليونسكو (UNESCO)، ومركز أبحاث التنمية الدولي (The International Centre). واشترك في المؤتمر أكاديميون وباحثون من الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، والنرويج، والسنغال، ومالي، والنيجر، ونيجيريا، وتشاد، والسودان البلد المضيف. وبعد انتهاء أعمال المؤتمر، انتقت اللجنة المنظمة تسع عشرة ورقة من أوراقه العلمية، حرّرها يُوسُف وبول دورنبس (Paul Doornbos) ونشراها في كتاب بعنوان: (بلاد أواسط السودان: التقليد والتكيف) (The Central Bilad Al-Sudan: Tradition and Adaptation). عرَّف المحرّران في مقدمة الكتاب مصطلح “أواسط بلاد السودان” بأنه يعني شمال نيجيريا، والنيجر، وتشاد، وشمال الكاميرون، ودارفور في غرب السودان. وقدّم المؤتمرون أوراقًا علمية باللغتين الإنجليزية والفرنسية، ناقشوا فيها واقع هذا الإقليم من خلال محورين أساسيين؛ ركز أحدهما على التركيبة الجغرافية وإفرازاتها السالبة (التصحّر، والجفاف، والزحف الصحراوي) في الإقليم والمجتمع؛ وتناول ثانيهما التاريخ الاقتصادي والسياسي في الإقليم. وفي إطار هذين المحورين نظر بعض أوراق المؤتمر في ظاهرتي الجفاف والتصحّر، وأكَّد وجودهما التاريخي المتكرر في الإقليم، وعزا أسبابهما إلى الاستغلال المفرط للأراضي الزراعية، وإزالة الغابات التي تعمل على تماسك التربة، والرعي الجائر. وناقش تأثيرهما على مصادر الرزق المحدودة (الرعي والزراعة) في الإقليم، وكيف أفضى ذلك إلى انفجار صراعات موسمية بين الرعاة والمزارعين، كما طرح بعض الحلول الاستراتيجية لتجاوز مثل هذه المشكلات المتكررة وتداعياتها السالبة على سكان الإقليم. ومن زاوية أخرى، نظر بعض أوراق المؤتمر في دور ظاهرتي الجفاف والتصحّر في حركة السكان من مواطن الطرد المعيشي والسياسي إلى مواطن الجذب التي تتوفر فيها سبل كسب عيش أفضل، كما قرن بعضهم الحركة السكانية بأسفار الحجاج لأداء مناسك الحج بالأراضي المقدسة (مكة والمدينة)، وعدم عودة بعضهم إلى مواطنهم الأصلية، وكذلك الحروب الجهادية والتجارة من طرف آخر. وتناول بعض الأوراق أنماط حيازة الأرض ودورها في الكفاية الإنتاجية والصراعات المحلية، وكذلك ظاهرة نشأة الدولة وانهيارها في الإقليم. وهنا برز مدخلان نظريان، حاول أحدهما أن يرجع ظاهرة الدولة ونشأتها وانهيارها في الإقليم في الفترة من القرن الثامن إلى السادس عشر الميلادي إلى الصراع الجدلي بين التنمية المستقلة عن وسائط الإنتاج، والقوى المنتجة، وتكوين الطبقة المجتمعية التي تسعى للسيطرة على المجتمع وموارده الإنتاجية. ويرى أصحاب هذه النظرة الماركسية أن النفوذ الخارجي المتمثل في الإسلام وأيديولوجيته السياسية والتجارة العابرة للأقاليم لم تكن سببًا رئيسًا في نشأة الدولة في الإقليم؛ ولكنها كانت من ضمن العناصر المؤثرة في استمراريتها سلبًا وإيجابًا. بينما أعطى أنصار المدخل الآخر أهمية كبرى للإسلام والحركات الجهادية التي أسهمت في نشأة بعض الممالك الإفريقية، وعزا بعضهم انهيارها إلى الاستعمار الأوروبي دون أن يكون هناك أثر واضح لمنظومة الصراع الجدلي الماركسي.
وإلى جانب المؤتمرات الثلاثة المشار إليها، أولى معهد الدراسات الإفريقية والآسيوية اهتمامًا خاصًّا بالعلاقات العربية-الإفريقية، وتبلور هذا الاهتمام على أرض الواقع عندما تواصل يُوسُف مع وزارة الخارجية في دولة الإمارات العربية، واتفق الطرفان على عقد ندوة عن العلاقات العربية الإفريقية في الشارقة، تحت رعاية صاحب السمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي، حاكم الشارقة، في الفترة من 14 إلى 18 ديسمبر 1976. ويذكر يُوسُف أن نخبة من العلماء والمفكرين الإفريقيين والعرب اشتركوا في ندوة الشارقة التي عُقدت فعالياتها بقاعة (إفريقيا) بالشارقة، وقدّموا أبحاثًا علمية تناولت الجوانب السياسية والاقتصادية، بدءًا بحركات التحرر الوطني في إفريقيا والعالم العربي، ودور المنظمات الإقليمية (منظمة الوحدة الإفريقية وجامعة الدول العربية) في دعم العلاقات العربية الإفريقية وتوثيق عرى الترابط الاقتصادي والأكاديمي بينها. وافتتح الندوة وقدم توصياتها د.سلطان بن محمد القاسمي، وتضمنت توصيات (إعلان الشارقة) عددًا من المبادئ الخاصة بتطوير العلاقات العربية الإفريقية وآليات تفعيلها. ونذكر منها على سبيل المثال، إنشاء مركز إفريقي عربي لتوثيق وجمع البيانات الخاصة بالعلاقات العربية الإفريقية، ويكون مقرّه في مدينة الشارقة، واختيار سمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي رئيسًا فخريًّا للمركز. إلا أن المركز لم يُؤسَّس حسب المواصفات التي أشار إليها (إعلان الشارقة)، ولكنه أُنشئ لاحقًا في عام 2018 باسم معهد إفريقيا، الذي “يُعنى بالبحث والتوثيق وإجراء الدراسات وتدريس المناهج ذات الصلة بإفريقيا والشتات الإفريقي، وذلك في حقول العلوم الإنسانية والاجتماعية”.
ويذكر يُوسُف أنَّ معهد الدراسات الإفريقية والآسيوية قد بادر بمناقشة توصيات المؤتمر المشار إليه مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (أليكسو) التابعة لجامعة الدول العربية، ونتج عن ذلك تنظيم ندوة (العلاقة بين الثقافة العربية والثقافات الإفريقية) في الخرطوم في 4 فبراير 1981م. وقدّم الأكاديميون والباحثون وخبراء المنظمات الإقليمية الذين اشتركوا في الندوة إحدى عشرة ورقة باللغتين العربية والإنجليزية، دارت في ثلاثة محاور رئيسة. ناقش المحور الأول منها جذور العلاقة بين الثقافة العربية والثقافات الإفريقية؛ وتطرق المحور الثاني إلى الآثار السلبية التي أفرزها الوجود الاستعماري في القارة الإفريقية والوطن العربي؛ وتناول المحور الثالث الآثار اللغوية والثقافية المتبادلة بين الوطن العربي والقارة السمراء. حرر يُوسُف الأوراق المشار إليها، ونشرها في كتاب بعنوان: (العلاقة بين الثقافة العربية والثقافات الإفريقية)، تونس: المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 1985. كتب د.محيي الدين صابر، المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم آنذاك، تصديرًا للكتاب، تطرق فيه إلى جذور العلاقات الثقافية الإفريقية العربية وأبعادها التاريخية، وانتقد الكتابات التي تروِّج إلى أنَّ العرب قد جاؤوا إلى القارة الإفريقية في شكل غزاة فاتحين، أو تجار رقيق؛ لأنه يرى أن العلاقة بين الطرفين تشكل ميراث “إنسانين توأمين متكاملين: هما الحضارة العربية والحضارة الإفريقية في مضمونيهما الشاملين فكرًا وروحًا”.
(3)
يُقصد بهذا العرض أنَّ إسهام يُوسُف في نشأة معهد الدراسات الإفريقية والآسيوية وتطويره لا يرتبط بشخصه فحسب، بل بقدرته على إنشاء شبكة واسعة من العلاقات الأكاديمية، واستقطاب كادر وظيفي أسهم بكفاءة عالية في بلورة رؤية المعهد ورسالته وأهدافه، ثم تحويل الأهداف إلى مبادرات وخطط عملية تمَّ تنفيذها على أرض الواقع في شكل محاضرات عامة وندوات ومؤتمرات، ومنشورات علمية، وبرامج أكاديمية (دبلوم، وماجستير، ودكتوراه)، وخدمات قُدِّمت للجامعة والمجتمع. كل هذه الإنجازات ظلت ولا تزال تقف شاهدةً على أداء المعهد الوظيفي والعاملين الذين شكلوا خلية نحلٍ فاعلة في عهد إدارة يُوسُف (1965 – 1983).
ونذكر منهم: البروفيسور محمد عمر بشير (1926 – 1992)، الذي حصل على دبلوم الآداب في كلية الخرطوم الجامعية عام 1949، وبكالوريوس الاقتصاد في الكلية الملكية ببلفاست، إيرلندا عام 1956، وماجستير الآداب في جامعة أكسفورد 1966. بدأ الأستاذ بشير حياته العملية بالتدريس في المدارس الثانوية، ثم انتقل إلى جامعة الخرطوم، حيث شغل منصب مساعد المسجل الأكاديمي (1956-1958)، ثم أول سكرتير أكاديمي سوداني بالجامعة (1958). وفي بداية عهد حكومة مايو (1969 – 1985) انتُدب سفيرًا ومديرًا للإدارة الإفريقية بوزارة الخارجية (1970 – 1972)، وبعدها عاد إلى الجامعة وشغل منصب وكيلها (1972 – 1974). وبعد عامين من تأسيس معهد الدراسات الإفريقية والآسيوية استقطبه يُوسُف للعمل بالمعهد، حيث قضى معظم سنوات حياته الأكاديمية باحثًا فاعلًا ومشاركًا نشطًا في فعاليات المعهد المتعدّدة إلى أن غادره عام 1981، عندما شرع في فكرة تأسيس جامعة أم درمان الأهلية. وأثناء عمله بالمعهد أصدر كتابه الشهير (Southern Sudan: From Conflict to Peace, London: Christopher Hurst, 1975).
أما البروفيسور هيرمان بل (Herman Bell) فقد حصل على دكتوراه الفلسفة في اللغويات (اللغات النوبية والأسماء الجغرافية) في جامعة نورث وسترن (Northwestern) بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1968، وبعد تخرجه التحق بجامعة نورث كارولينا (1968 – 1971)، ثم مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن (1971 – 1972). وفي هذا الأثناء اتصل به يُوسُف وأقنعه بالانضمام إلى شعبة أبحاث السودان؛ لكنه وصل إلى الخرطوم عام 1973، أي بعد أن تحولت الشعبة إلى معهد الدراسات الإفريقية والآسيوية. وظل بل (Bell) أستاذًا فاعلًا في المعهد إلى أن غادره عام 1979 إلى جامعة الملك فيصل بالمملكة العربية السعودية. وفي فترة عمله بالمعهد نشر العديد من الأبحاث ذات الصلة باللغات والثقافة النوبية، التي شكلت إضافة نوعية ضمن أدبيات المعهد. واشترك بل (Bell) في اللجنة العليا لإعداد المؤتمر الثاني عن اللغة والأدب في السودان، وحرر بالاشتراك مع د.سيد حامد حريز أوراق المؤتمر، ونشراها في كتاب بعنوان: (Directions in Sudanese Linguistics and Folklore, Khartoum: Khartoum University Press, 1975).
أشار يُوسُف في حديثه عن شعبة أبحاث السودان إلى تعيين سيد حامد حريز، وعبد الله علي إبراهيم، وأحمد عبد الرحيم نصر، بحكم أنهم الجيل المؤسس للشعبة. انضم حريز للشعبة بعد حصوله على بكالوريوس الآداب في اللغة الإنجليزية وآدابها، وذلك بطلب من يُوسُف؛ ليتخصص في مجال الفولكلور. وبعد التحاقه بالشعبة بفترة وجيزة حصل حريز على بعثة خارجية لإعداد أطروحة الماجستير في الفولكلور بجامعة ليدز (Leeds) البريطانية، وبعد حصوله على درجة الماجستير انتقل إلى جامعة إنديانا (Indiana) الأمريكية، حيث نال درجة دكتوراه الفلسفة في الفولكلور، كأول سوداني في هذا المجال. وكان موضوع أطروحته لنيل درجة الماجستير عن ثلاثية (الميلاد والختان والزواج)، أو ما يسمى (طقوس العبور)، وأطروحة الدكتوراه عن (الحكاية الشعبية عند الجعليين: تداخل العناصر الإفريقية والعربية والإسلامية). وبعد عودته للمعهد عُيِّن د.حريز رئيسًا لقسم الفولكلور، ثم مديرًا للمعهد (1983 – 1990)، خلفًا لأستاذه يُوسُف. أنجز حريز جملة من الأبحاث التأسيسية في مجال علم الفولكلور خلال عمله بالمعهد، ونذكر منها: (الحكاية الشعبية في السودان)، و(المؤثرات العربية في الثقافة السواحلية).
عقب التحاقه بشعبة أبحاث السودان عكف عبد الله علي إبراهيم على إنجاز بكالوريوس الشرف في التاريخ في جامعة الخرطوم، فكان عنوان أطروحته (الصراع بين المهدي والعلماء)، الأطروحة التي وصفها البروفيسور مكي شبيكة بأنها “بحث مبتكر”، لأن المؤلف قد سلك فيه “مسلكًا علميًّا وتحليلًا بلغ درجة قصوى من الإتقان”. ويقول المؤلف عن مؤلفه: “كتبته في سنة الشرف في أخريات تدريبي بشعبة التاريخ بجامعة الخرطوم عام 1966، وأحسنت إليَّ شعبة أبحاث السودان، في عهد العالم الدقيق الشغوف يُوسُف فضل حسن، بنشره عام 1968”. وكان هذا الكتاب الأطروحة بمثابة منصّة التأسيس التي انطلق عبد الله منها نحو إعداد أطروحة الماجستير، ثم الدكتوراه في إنديانا بالولايات المتحدة الأمريكية. وفي فترة وجوده بالشعبة ثم المعهد، أولى الأستاذ عبد الله اهتمامًا فائقًا للتاريخ الثقافي والاجتماعي في السودان، مخصّصًا جلَّ وقته لأبحاثه الميدانية في بادية الكبابيش الرعاة في شمال كردفان، والرباطاب المزارعين على النيل في المديرية الشمالية، وكانت حصيلة ذلك عملين نفيسين: (أدب الرباطاب الشعبي)، و(فرسان كنجرت: ديوان نوراب الكبابيش وعقالاتهم في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر)، والذي قدّم أصله لأطروحة الماجستير ثم نشره بالعنوان نفسه 1999.
أما أحمد عبد الرحيم نصر فقد حصل على بكالوريوس الشرف والماجستير في الفلسفة في جامعة الخرطوم. وبعد التحاقه بشعبة أبحاث السودان ابتُعث إلى جامعة ويسكونسن (ماديسون) بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث حصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الأدب الإفريقي الشفاهي. وبعد عودته إلى معهد الدراسات الإفريقية والآسيوية عُيِّن محاضرًا بقسم الفولكلور، ثم رئيسًا للقسم نفسه. ومن الأبحاث المهمة التي نشرها أثناء فترة عمله بشعبة أبحاث السودان: (تاريخ العبدلاب من خلال رواياتهم السماعية، شعبة أبحاث السودان) (الخرطوم، مطبعة جامعة الخرطوم، 1969)، و(مايرنو النيل الأزرق: دراسة سيرة شفاهية) (الخرطوم: معهد الدراسات الإفريقية والآسيوية، 1980).
التحقت محاسن حاج الصافي بمعهد الدراسات الإفريقية والآسيوية بعد أن حصلت على درجة ماجستير الآداب في التاريخ، وكان موضوع أطروحتها عن (السياسة الخارجية البريطانية تجاه الدولة المهدية) في جامعة أدنبرة بالمملكة المتحدة، وكذلك الدكتوراه عن (المسألة الصومالية في كينيا) بالجامعة نفسها. وبعد عودتها عملت أستاذًا مساعدًا للتاريخ الإفريقي شعبة التاريخ (1972 – 1975)، كلية الآداب، جامعة الخرطوم، ثم انتقلت إلى معهد الدراسات الإفريقية والآسيوية، وشغلت منصب رئيس قسم الدراسات الإفريقية والآسيوية (1975 – 1979)، ثم مديرة للمعهد (1990 – 1995). ومن أهم إصداراتها في المعهد في فترة إدارة يُوسُف: (لورد روزبري والسياسة البريطانية في السودان، 1882 – 1895)، مجلة الدراسات السودانية، مج 5، ع 1، 1975، ص 92 – 105.
وانضم إلى جانب هؤلاء المؤسسين في شعبة أبحاث السودان ومعهد الدراسات الإفريقية والآسيوية د.جيمس دهب قبجندا (James Dahab Gabjanda) المتخصّص في اللغات الإفريقية؛ ود.ر.س. ستيفينسون (R.C. Stevenson) المتخصص في لغات جبال النوبة؛ والأستاذ جمال محمد أحمد في قسم الدراسات الإفريقية والآسيوية؛ ومارك دوفيلد (Mark Duffield) المتخصص في مهاجري غرب إفريقيا في السودان؛ ويارد كيهور (Yared Kihore) المتخصص في اللغة السواحلية، وشعبان سنقو (Shaban Sengo). ولحق بهم آخرون قبل انتهاء فترة إدارة يُوسُف (1972 – 1983) للمعهد، ونذكر منهم: د.شرف الدين الأمين عبد السلام، ود.الحاج بلال عمر، ود.الأمين أبو منقة، ود.الفاتح عبد الله عبد السلام، ود.عشاري أحمد محمود خليل، ود.يُوسُف حسن مدني، والدكتورة البقيع بدوي عبد الرحمن.
(4)
إلى جانب إسهامات هؤلاء العلماء والباحثين في مجال التدريس والبحث العلمي، نلحظ أن معهد الدراسات الإفريقية والآسيوية قد أضحى أحد مراكز البحث العلمي التي يُشار إليها بالبنان في مجال الفولكلور والروايات الشفوية. إذ بلغت حصيلة التسجيلات (40000) شريط، مودعة في أرشيف الفولكلور في المعهد، ووصلت (سلسلة دراسات في التراث الشعبي) إلى أربعين إصدارًا. كما وضع المعهد خطة لإنجاز المشروعات البحثية الآتية:
– تسجيل المواد الفولكلورية والروايات الشفوية الخاصة بالمجتمع السوداني وتحليلها.
– إنشاء متحف إثنوغرافي.
– إعداد معجم للشخصيات السودانية.
– إعداد دراسات عن أسماء الأماكن السودانية.
– إنجاز ثمانية مجلدات عن السودان.
– كتابة تاريخ الحركة الوطنية استنادًا إلى الروايات الشفوية.
– إجراء مسح لغوي في السودان.
وتوضح الفهارس المرجعية أنَّ الروايات الشفوية التي جُمعت من مختلف أنحاء السودان وأودعت بأرشيف معهد الدراسات الإفريقية والآسيوية تشكل عددًا لا يُستهان به، لكن حسب إفادة خبراء أرشيف الفولكلور في جامعة الخرطوم، فإن المُستثمر منها في أبحاث علمية منشورة ضئيل جدًا؛ وجلَّ هذه الروايات محفوظ في “أضابير الأرشيف ولم يلامس أعين القراء”. وهذه دعوة صريحة للباحثين المهتمين بقضايا الفولكلور السوداني أن يُعيروا هذه المقتنيات المصدرية النادرة التفاتةً، ويوظفوها بقدر الإمكان في إنجاز أبحاثهم العلمية.
بالرغم من أنَّ يُوسُف قد غادر إدارة المعهد عام 1983؛ إلا أن صلته لم تنقطع البتة بهذا الصرح الأكاديمي الذي تأسّس على يديه، فعاد إليه في عقد التسعينيات، ليعمل جنبًا إلى جنبٍ مع طلابه الذين أعانوه في مرحلة التأسيس، وأصبحت لهم بصماتهم الواضحة في إدارة المعهد وعطائه الأكاديمي، أمثال د.محاسن حاج الصافي، ود.الفاتح عبد الله عبد السلام، ود.مدني محمد أحمد، ود.الحاج بلال عمر، ود.قيصر الزين. ومنذ عام 2002 ظل يُوسُف يشغل منصب رئيس كرسي الدراسات التركية، الذي يعمل تحت مظلة وحدة الدراسات التركية، التي أُسست بمعهد الدراسات الإفريقية والآسيوية عام 1998م، في ظل العلاقات المتطورة بين أنقرة والخرطوم، ونظرة أنقرة إلى السودان بوصفه جسر عبورٍ لاستثماراتها المستقبلية في القارة السمراء. وأن الوحدة ستكون واحدة من عناصر القوى الناعمة الداعمة لهذه النظرة التركية؛ لأن هدفها الأساس يتمثل في إجراء الدراسات المقارنة بين البلدين وجوارهما، ودعم التبادل الأكاديمي بين أساتذة جامعة الخرطوم ونظرائهم من الجامعات التركية. وفي ضوء هذه الرؤية نظمت جامعة الخرطوم بالتعاون مع السفارة التركية ندوة كبرى في 4 ديسمبر 1999، بمناسبة العيد المئوي السابع لنشأة الدولة العثمانية (1299-1999). تناول محور الندوة الأول نشأة الدولة العثمانية وتطور مؤسساتها الحاكمة، ثم توسعها في قارات العالم الثلاث (آسيا، وأوروبا، وإفريقيا)، مع التركيز على موانئ البحر الأحمر (سواكن ومصوّع) التي كانت تشكّل إحدى المعينات الداعمة لتعزيز النفوذ العثماني في المنطقة. وغطى المحور الثاني الأثر الإداري والثقافي للدولة العثمانية في السودان، بينما ناقش المحور الثالث العلاقات التركية الإفريقية، وبنظرة خاصة للعلاقات التركية السودانية في المجال الاقتصادي. حرر يُوسُف أوراق هذه الندوة ونشرها في كتاب بعنوان: (تاريخ الدولة العثمانية: ملامح من العلاقات السودانية التركية) (الخرطوم: دار جامعة الخرطوم للنشر، 2004).
(5)
مديرو معهد الدراسات الإفريقية والآسيوية (1972 – الآن):
– بروفيسور يوسف فضل حسن: 1972 – 1983
– بروفيسور سيد حامد حريز: 1983 – 1990
– د.محاسن عبد القادر حاج الصافي: 1990 – 1995
– بروفيسور مدني محمد أحمد: 1995 – 2001
– د.شرف الدين الأمين عبد السلام: 2001 – 2002
– بروفيسور الأمين أبو منقة: 2002 – 2010
– د.عبد الرحيم حامد المقدم: 2010 – 2016
– د.منى محمود أبو بكر: 2016 – إلى الآن.

Leave a Reply