حكايات بين سوط العنج وحضن أمّي

صحيفة الهدف

ناصر يوسف
أمي زولة حنينة، وحنية الدنيا دي كلها مارقة منها، زيها زي أمهات حنينات كتار.
زمان، وأنا طفل صغير شديد، كنت زول مشاغب لدرجة ما بتتقال. أبوي، الله يرحمه، كان مدير مدرسة ميري في الداخل المختلط جنب كادقلي، وفي يوم من الأيام شال بندقيته الخرطوش وركب عجلته وطلع للصيد. الوقت كان، بذكّرو تمام، بعد صلاة الظهر، وبعد كباية شاي منعنع، ومرق.
كان محذّرنا أنا وإخوتي الكبار عادل وياسر إنو اليوم داك ما نطلع من البيت خالص، لأن السماء كانت شايلة سحاب أسود، سواد الليل، بالرغم من إنو الوقت نص النهار.
المهم..أنا كنت واقف أعاين ليه من “الصريف”، والصريف لغير الناطقين بها هو الحيطة المسوّرة بيها البيت ومصنوعة من القش. واقف أعاين ليه لحدي ما اختفى هناك في قعر الجبل. وميري سموها “جوة” لأنها محاطة بسلسلة جبال داير ما يدور، ما في خروج إلا من فتحة صغيرة كده تمر فيها عربية واحدة بس. قالوا الإنجليز هم البنوها زمان.
أها.. قوم يا ولد يا شيطوني، طلع كورتك وأقنع أخوانك الإتنين الكبار، وقول ليهم “ده جو كورة”، وأبوي ما بيرجع قبل المغرب، ورحكاكم في الميدان نلعب كورة. وغفّلنا أمّي وطلعنا لميدان الكورة الواقع وراء البيت، ما بعيد. وجوا علينا أولاد الداخلية، بعراريقهم وسراويلهم، وهاك يا لعب.
انغمسنا في اللعب ونسينا الزمن، ما عارفين قعدنا كم. فجأة، ياسر أخوي الكبير كورك فيني: هوي! أبوي جاي راجع!
أنا ولا هاممني شيء.. مستمر في اللعب، شوت بي جاي، شوت بهنا. لكن لمن انتبهت، لقيت أخواني اختفوا فجأة. تذكرت كلام ياسر، ولفيت عيوني للاتجاه البعيد.. أبوي ظاهر، والعجلة قرّبت توصل الميدان. شلت كوري وركضت طيران للبيت، وتوش دخلت من فتحة في الصريف عملوها الكلاب زي باب سري.
جدعت الكورة فوق الراكوبة، وركضت للداخل. قبل ما أدخل الأوضة، لقيت إبريق الوضوء قدامي، شطفت منه بسرعة، وغسلت جزء من رجلي، والباقي لسه عليه تراب. اندسيت في أقرب سرير، وتغطيت بالملاية، عامل نفسي نايم.
أبوي دخل البيت، قفل باب الحوش، وربط العجلة، وشال بندقيته، ومعاها كم جدادة جايبها من الصيد. دخل، ولقى الجداد جنب الباب. وأنا أعاين من فتحة صغيرة من تحت الملاية.
دخل أوضته وطلع، وكان شايل في يده سوط العنج.
وقف وقال: قوم يا ولد يا ناصر.. تعال هنا.
العرق صب فيني، كأن المطر برة دخل جوة جلدي. رفعت الملاية عن وجهي شويه.
قال مرة تانية بصوت أعلى: قلت ليك تعال!
صرخت بأعلى صوتي: يا أمّي! وجريت واختبيت ورا أمّي.
أمي حاولت تهدّيو وتحلّفو ما يلمسني، لكن قال ليها: تزحي من الولد ده، ولا أجلدك إنتي ذاتك.
وفجأة لقيت نفسي مربوط بحبل البقرة في ركن الحوش، وسوط العنج نازل فيني.. مرة على ظهري، ومرة على رجلي، والمطر صابني ببروده، كأنه بيزيد الألم.
وأبوي يقول: أنا ما قلت ليكم ما تطلعوا من البيت؟
وأنا أصرخ وأبكي بكل صوتي، يا أمّي.. تعالي.. أمسكي السوط من إيدو! أبوي سابني ومشى جوه. أمي الحنينة جت، فكّتني من الحبل، وساقتني جوه، بدّلت لي هدومي المبلولة، ونشّفتني كويس.
بعدها دخلت على أوضتها، ورجعت شايلة صينية بلح وقالت لي: أكل من البلح ده، بدفيك لحدي العشاء. وأنا أبكي وآكل، وإخواني عادل وياسر واقفين يضحكوا ويتهامسوا.
الله يرحمك يا أمّي، ويسكنك الجنة. دي كتابة أولى.. جات كده.
اشتقت ليك يا أمّي، يعلم الله اشتقت ليك يا زوله طيبة، يا حنينة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.