كلمة العدد: دوري النخبة في زمن الحرب: هل عادت الخرطوم فعلاً إلى الملاعب؟

صحيفة الهدف

في بلدٍ ما تزال الحـ.رب تترك آثارها المدمرة على البشر والبنية التحتية، جاء قرار إقامة دوري النخبة في الخرطوم مثيراً لجدل واسع؛ ليس بسبب كرة القدم في حد ذاتها، بل بسبب توقيت العودة إليها في ظل واقع أمني وخدمي هش للغاية. في بلدٍ يرقد فيه آلاف الشهداء تحت الأنقاض، وتئن فيه المستشفيات من كثرة الجرحى، وتتجرع فيه الأسر النازحة مرارة التشريد من مدينة إلى أخرى بلا مأوى، يأتي قرار ركل الكرة في العاصمة. والسؤال الذي يطرح نفسه بقسوة: هل آن الأوان حقاً للكرة، أم أن الدم ما زال ساخناً؟

إن ملعب استاد الخرطوم الدولي، الذي كان أيقونة الرياضة السودانية التاريخية، تعرض لأضرار هندسية جسيمة جراء الاشتباكات، وتحول جزء منه إلى منطقة عسكرية مغلقة. أما ملعبا المريخ والهلال في أم درمان، فقد عانيا من الإهمال والنهب والتدمير الجزئي، وأصبحا بحاجة إلى مبالغ طائلة لإعادة التأهيل. القضية هنا لا تتعلق برفض الرياضة، فالرياضة جزء أصيل من حياة الشعوب ووسيلة مهمة لاستعادة الروح العامة، لكنها ترتبط أيضاً بحد أدنى من الاستقرار والأمان؛ وهذا ما يدفع كثيرين للتساؤل: هل أصبحت الخرطوم مهيأة فعلاً لاستضافة بطولة كبرى؟

الواقع المشهود يشير إلى تحديات وجودية كبرى؛ فعدد من الملاعب تعرض لأضرار مباشرة أو غير مباشرة خلال الحـ.رب، بينما تعاني البنية التحتية المحيطة بها من أزمات طاحنة تتعلق بقطع الكهرباء، وانعدام المواصلات، وغياب الخدمات الأساسية. وحتى الملاعب التي يمكن استخدامها جزئياً، ما تزال بحاجة إلى أعمال تأهيل واسعة حتى تصبح مطابقة للحد الأدنى من شروط السلامة والتنظيم. كما أن القضية لا تخص جدران الملاعب وحدها، بل تشمل بالدرجة الأولى سلامة اللاعبين، والجماهير، والأجهزة الفنية، والإعلامية. فتنظيم بطولة رياضية لا يعني مجرد إطلاق صافرة مباراة، بل يتطلب بيئة مستقرة تضمن سهولة الحركة، والخدمات الطبية الطارئة، والتأمين، وطمأنينة الجمهور.

غير أن المشكلة ليست في جاهزية الملاعب وحدها، ولا في قرار الاتحاد وحده؛ فالحـ.رب التي اندلعت في السودان لم تستثنِ شيئاً؛ دمرت المدن، وشردت الملايين، وأغلقت المدارس والمستشفيات، وأوقفت عجلة الإنتاج، ومزقت النسيج الاجتماعي، ولم تترك مجالاً للحياة إلا وأفسدته. والرياضة، مهما كانت جميلة ومحبوبة، لا يمكن أن تُستثنى من هذا الدمار الشامل. إن إقامة دوري في ظل هذه الظروف ليس مجرد (قرار غير موفق)، بل هو تجاهل صارخ لحقيقة أن الحـ.رب يجب أن تتوقف قبل أي شيء؛ فكرة القدم لا تُلعب فوق الأنقاض، ولا تُقام البطولات بينما الرصاص لا يزال يحصد الأرواح. إن أي محاولة لافتعال حياة طبيعية قبل أن تتوقف الحـ.رب هي أشبه بوضع ضماد على جرح غائر دون وقف النزيف.

لذلك، فإن المطلوب أولاً وأخيراً هو وقف هذه الحـ.رب العبثية، فوراً ودون شروط، ثم العمل الجاد على تشكيل حكومة مدنية تتولى إعادة بناء الدولة على أسس جديدة من العدالة والمواطنة والكرامة. لكن قبل ذلك كله، لا بد من بناء جبهة شعبية عريضة للديمقراطية والتغيير؛ جبهة تجمع كل القوى الوطنية والديمقراطية التي تؤمن بأن السودان يستحق حياة أفضل، وبأن الدماء التي سالت لن تذهب هباءً، وبأن الرياضة الحقيقية تبدأ عندما يتحقق السلام أولاً.

فلا دوري دون حكومة مدنية، ولا حكومة مدنية دون جبهة شعبية موحدة، ولا جبهة دون إرادة صادقة لتغيير واقع الوطن من جذوره. وعندها فقط، سنلعب كرة القدم في ملاعب آمنة، وفي وطن يسعنا كلنا. وكان من الممكن على اتحاد الكرة التفكير في بدائل مرحلية أكثر واقعية واحتراماً للمأساة، مثل:

  • إقامة المباريات في مدن وولايات أكثر استقراراً وأماناً.

  • استمرار اللعب الخارجي ومشاركات الأندية في المنافسات الإقليمية مؤقتاً.

  • تأجيل البطولة كلياً حتى تتحسن الظروف الأمنية والخدمية بشكل حقيقي.

فالهدف الأساسي يجب أن يكون حماية الرياضة السودانية وإنسانها، لا تعريضهما لمزيد من الضغوط والمخاطر. إن عودة كرة القدم ينبغي أن تكون جزءاً من مشروع تعافٍ وطني حقيقي، لا مجرد محاولة بائسة لإظهار أن الأمور عادت إلى طبيعتها قبل أوانها. الرياضة يمكن أن تصبح رمزاً للنهوض الوطني، لكن ذلك يحتاج إلى بيئة تحترم سلامة الإنسان أولاً. واليوم، وفي ظل هذه الظروف المعقدة، نرى أن القرار خاطئ تماماً، ونأمل من الاتحاد إعادة النظر فيه قبل أن ندفع جميعاً ثمناً أكبر. لن ننسى أبداً أن خلف كل مباراة تُلعب اليوم، هناك أمهات ثكالى فقدن أبناءهن، وأطفال يتامى فقدوا آباءهم، وعوائل تبيت في العراء. الرياضة رسالة سلام، فكيف نطلقها في زمن لا يزال فيه رصاص الحـ.رب يقـ.تل الأبرياء؟


#صحيفة_الهدف #الهدف #ملف_الهدف_الرياضي #دوري_النخبة #الكرة_السودانية #الاتحاد_السوداني_لكرة_القدم #استاد_الخرطوم #نادي_الهلال #نادي_المريخ #الخرطوم #أم_درمان #حـ.رب_السودان #أخبار_السودان #السودان #السودان_2026 #لا_للـحـ.رب #مقـ.تل #قـ.تل #أزمة_الملاعب #حكومة_مدنية #المقاومة_المدنية

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.