معتز مختار علي
هذه قاعدة بسيطة يتعلمها الطلاب في أول دروس الهندسة: “أقصر طريق بين نقطتين هو الخط المستقيم”. قاعدة تبدو رياضية بحتة، لكنها في الحقيقة تشبه كثيرًا ما يحدث في حياة الإنسان؛ فحين تكون الوجهة واضحة، يكون الطريق الأقصر إليها هو الطريق المباشر.
#اضغط_الرابط_في_أول_تعليق:
ومع ذلك، في التجربة الإنسانية ـ وربما في التجربة الدينية تحديدًا ـ يحدث شيء غريب؛ فبدل أن يسير الإنسان في الطريق الأقصر، يميل إلى رسم طرق أطول وأكثر تعقيدًا، وكأن النفس البشرية لا تطمئن إلى البساطة. تظهر هذه المفارقة بوضوح حين نتأمل العلاقة بين الإنسان وربه؛ ففي قلب التصور الإسلامي تقف آية قصيرة تحمل معنى عميقًا: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾. كلمات قليلة، لكنها تقرر حقيقة هائلة: أن العلاقة بين الإنسان وربه ليست رحلة بعيدة ولا طريقًا معقدًا، بل علاقة مباشرة، أقرب إلى الإنسان من نفسه التي بين جنبيه.
ومع ذلك، عبر التاريخ، يميل بعض البشر إلى البحث عن طرق طويلة للوصول إلى الله؛ طرق مليئة بالوسائط والرموز والطبقات الروحية، وكأن الطريق البسيط لا يكفي. الإنسان بطبيعته يخاف الوحشة، وحين يشعر بالفراغ الداخلي يبحث عن شيء يمسك به: كلمة تطمئنه، جماعة تحتضنه، أو شخص يظن أنه أقرب إلى الله منه. في مثل هذه اللحظات، لا يتجه بعض الناس مباشرة إلى الله كما يفتح النص القرآني الطريق، بل يبحثون عن إنسان يدلهم عليه: معلم، مرشد، أو شخصية يُعتقد أن لها منزلة خاصة عند الله.
وهنا تبدأ فكرة الوسيط الروحي في التسلل إلى التجربة الدينية. في أصلها قد تبدو هذه الفكرة طبيعية؛ فكل طريق معرفي يحتاج إلى من يدل عليه، وكل تجربة إنسانية تحتاج إلى من يشرحها أو يوضحها. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الإرشاد إلى شرط، وحين يصبح الطريق إلى الله ـ في تصور البعض ـ طريقًا لا يُفتح إلا عبر أشخاص بعينهم، وكأن العلاقة مع الله تمر عبر طبقات من البشر.
وهنا يبرز السؤال البسيط العميق: إذا كان الله يقول إنه أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد، فلماذا يحتاج الإنسان إلى وسيط ليصل إلى هذا القرب؟
ربما لأن الطريق المباشر يضع الإنسان أمام مسؤوليته كاملة؛ لا حجاب بشري يخفف عنه المواجهة، ولا طبقة روحية تحمل عنه عبء الطريق. تصبح العلاقة مباشرة بينه وبين الله، وهذه العلاقة المباشرة تتطلب شيئًا أصعب من الطقوس: الصدق؛ صدق القلب، وصدق التوجه، وصدق العبادة. ولهذا ربما يفضّل بعض الناس الطريق الذي يمر عبر البشر، لأنه يمنحهم شعور الانتماء، ويخفف عنهم ثقل المواجهة المباشرة مع الله.
ومع ذلك، يبقى الفرق كبيرًا بين الإرشاد والاحتكار الروحي؛ فالإرشاد يعني أن يقول المعلم للسالك إن الطريق إلى الله مفتوح، وأنا فقط أدلك عليه، أما الاحتكار فيعني ـ بطريقة ضمنية ـ أن الطريق إلى الله يمر من هنا وحده. وربما تكمن المشكلة في أننا ننسى بساطة الرسالة الأولى؛ فالله لم يجعل بينه وبين عباده طبقات مغلقة ولا طرقًا سرية، بل جعل الطريق مفتوحًا لكل من أراد: دعاء صادق، قلب خاشع، وسجدة لا يراك فيها إلا الله. كل ذلك أقرب إلى الله من كل الطرق الملتوية التي قد ينسجها الإنسان حول نفسه.
وفي النهاية، قد يكتشف الإنسان متأخرًا أن الطريق لم يكن يومًا معقدًا كما تخيّل، وأن أقصر طريق إلى الله كان دائمًا واضحًا وبسيطًا… كالخط المستقيم. لكن الإنسان، في كثير من الأحيان، لا يضيع لأنه لا يعرف الطريق، بل لأنه يصرّ على البحث عن طرق أطول.
#السودان #ملف_الهدف_الثقافي #صحيفة_الهدف #معتز_مختار_علي #فكر #فلسفة #دين #تأملات #ثقافة #إنسانية #الخط_المستقيم #Sudan #Philosophy #Thought #Culture #Reflections

Leave a Reply