- المسرح فعل حي لا يقبل التزييف.. والجمهور هو الحكم
- مسرح الكارو تجربة خاصة أوصلتني إلى جمهور كبير ومختلف
يُعدّ عز الدين علي سليمان الشهير ب(كوجاك) واحدًا من أبرز روّاد المسرح البديل في السودان، وصاحب تجربة فريدة نقلت الفن من خشبة المسرح التقليدي إلى فضاءات الحياة اليومية. انطلقت مسيرته من ود مدني، حيث تشكّل وعيه الفني، ليبتكر منذ أكثر من عشرين عامًا تجربة “المسرح المتجوّل” التي بدأت بعربة “كارو” جابت القرى والمدن في ولاية الجزيرة، مقدّمة عروضًا مسرحية هادفة بجهد ذاتي وإمكانات محدودة.
#اضغط_الرابط_في_أول_تعليق:
تميّزت تجربة كوجاك بكونها مشروعًا فكريًا وجماليًا يسعى إلى إضفاء الطابع الديمقراطي على الفن، إذ آمن بأن الجمهور لا ينبغي أن يُستدعى إلى المسرح، بل على المسرح أن يذهب إليه حيثما كان. ومن هنا جاءت فلسفة “مسرح الكارو” بوصفه مسرحًا بلا تكلّف أو ديكور، يقوم على الفكرة والموقف، ويعالج قضايا المجتمع بجرأة، بعيدًا عن السطحية أو السخرية الجارحة. وقد شكّلت هذه التجربة لاحقًا مصدر إلهام لظهور أشكال مشابهة، مثل مسرح “عربة الدفّار” وتجارب درامية أخرى في الإعلام السوداني.
لم تقف حدود مشروعه عند الشارع، بل امتدّت إلى فضاءات أكثر حساسية، حيث أسّس تجربة “مسرح النزيل” داخل السجون منذ ثمانينيات القرن الماضي، بدءًا من سجن ود مدني، مؤمنًا بأن المسرح يمكن أن يكون أداة إصلاح وتأمل إنساني. وقد قدّم عروضه في عدد كبير من السجون في مختلف مدن السودان، مؤكدًا أن المسرح “أبو الفنون” وهو رسالة حضارية تعكس هموم الناس وتسهم في معالجتها.
ورغم محدودية الدعم المؤسسي، ظل كوجاك وفيًا لمشروعه، يعمل على تنوير المجتمع وترقية الذوق العام، متصدّيًا لظواهر التفكّك الثقافي وخطابات السخرية السطحية. كما قدّم عددًا من الأعمال المسرحية والتلفزيونية، واهتم بمسرح الطفل، إلى جانب اكتشافه لمواهب جديدة من داخل المجتمع، بعيدًا عن معايير الشهرة التقليدية.
في هذا الحوار، “الهدف” تقترب من تجربة كوجاك بوصفها مشروعًا مسرحيًا متكاملًا، يتجاوز العرض إلى الفعل الاجتماعي، ويطرح أسئلة عميقة حول دور الفن في بناء الوعي، وإمكانية الوصول إلى الإنسان في كل مكان.
حوار: عبدالمنعم مختار
- لنبدأ من الجذور..كيف تشكّلت علاقتك الأولى بالمسرح في ود مدني، ومتى أدركت أن الخشبة ليست مجرد فضاء للعرض فقط، بل وسيلة حياة وموقف؟
– أحيّي الإخوة في صحيفة (الهدف) وأشكرهم على هذا الحوار..
أنا عز الدين علي سليمان، مؤلّف ومخرج وممثّل، ومؤسّس لعدد من الفرق المسرحية بمدينة ود مدني، آخرها (فرقة المسرح المتجوّل) التي بدأت بتجربة مسرح الشارع و”مسرح الكارو”.
علاقتي بالمسرح في ود مدني علاقة متجذّرة؛ فالخشبة بالنسبة لي ليست مجرد فضاء للعرض، بل وسيلة حياة وموقف. المسرح يجري في دمنا، وهو صوت أصيل نعبّر من خلاله عن قضايا وهموم هذا الوطن، ونقدّم عروضنا في كل الأماكن والمساحات الممكنة. - اشتغلت في فضاءات غير تقليدية: السجن، المستشفى، السوق، بنطون رفاعة وحتى المقابر.. ماذا تعلّمت من نقل المسرح إلى هذه الأمكنة، وكيف غيّرت هذه التجربة فهمك للجمهور؟
– أعمل في مواقع متعدّدة بهدف التجديد في أفكاري ومواقفي. بالنسبة لي، مفهوم الجمهور نفسه يتغيّر بتغيّر أفكار ومكان المسرح.
في هذه الفضاءات، تكون ردود فعل الجمهور صادقة ومباشرة؛ فقد يعبّر الجمهور عن رفضه بعدم التصفيق، أو قد ينصرف قبل نهاية العرض. هذه مؤشّرات حقيقية تجعل الفنان يراجع نفسه باستمرار. - كيف تصف تجربتك في “مسرح الكارو”؟ هل ذهبت إلى الجمهور لأنه لا يأتي، أم بحثًا عن شكل جديد للعلاقة بين الفنان والناس؟ وكيف تقيّم تجربة المسرح المتجوّل؟
-مسرح الكارو تجربة جديدة بالنسبة لي، وقد سعيت من خلالها إلى بناء علاقة مختلفة مع الجمهور. عبر هذه التجربة استطعت الوصول إلى عدد كبير ومختلف من الناس.
من أهم ما يميّز مسرح الكارو أن الجمهور يقرّر بنفسه، إذا كان العرض جيدًا يتوقّف ويشاهد، وإذا لم يكن كذلك ينصرف. وانصراف الجمهور يعني فشل العرض، وهي رسالة واضحة للفنان بضرورة تطوير أدواته. - هل ترى في ذلك قسوة على الفنان أم فرصة للتطور؟
– هي فرصة حقيقية للتطور؛ لأن المسرح في جوهره فعل حيّ، ولا يمكن خداع الجمهور فيه.
وفي هذا السياق، أؤمن أن للفنان دورًا كبيرًا في تشكيل الوعي، ورتق النسيج الاجتماعي، وتعزيز التعايش السلمي. ولو خُيّرت بين ندوة سياسية وليلة تراث، لاخترت ليلة التراث، لأن الفن قادر على توحيد مجتمع متعدّد مثل مجتمعنا. - يُقال إن تجربتك في المسرح المتجوّل أثّرت في كثير من المسرحيين، بل وانتقلت إلى جنوب السودان مع إضافات محلية. كيف تقيّم ذلك؟
-العروض التي قدّمناها في عدد من المدن كانت ناجحة، وتركنا بصمات واضحة، ولا تزال هناك صلات وتواصل مع مبدعي تلك المدن. انتقال التجربة وتطويرها أمر يسعدني، لأن المسرح بطبيعته فعل تراكمي. - حدّثنا عن تجربتك الرائدة في “مسرح النزيل” داخل السجون؟
– أنا أؤمن بأن الكوميديا ليست مجرد نكات، بل هي قناع للتعبير عن قضايا فكرية عميقة. الكوميديا الحقيقية يجب أن تكون واعية وبعيدة عن الإساءة أو السطحية. أما مسرح النزيل، فقد بدأنا التفكير فيه عام 1983، وتم تأسيسه بالتعاون مع الفريق أول بدر الدين ميرغني، الذي كان مأمورًا لسجن ود مدني آنذاك. - ما الهدف من تقديم المسرح داخل السجون؟
– السجن محطة مهمّة لمراجعة النفس، والمسرح يمكن أن يكون وسيلة للإصلاح والتأمّل. انتقلت التجربة إلى عدة سجون مثل سجن الهدى، كوبر، أم درمان، بورتسودان، الأبيض، سنجة، سنار، كوستي، والقضارف، وقدّمنا فيها العديد من العروض. - كيف أثّرت تجاربك الخارجية، مثل زيارتك إلى القاهرة، على مسيرتك الفنية؟
– زرت القاهرة بغرض العلاج، لكن هذه الزيارة رفعت معنوياتي كثيرًا. كما استفدت من الحراك الثقافي هناك، ومن تجربتي مع اتحاد الفنانين السودانيين، خاصة في تطوير تجربة مسرح الكارو. - كيف ترى دور الفنان اليوم في ظل التحديات التي يمر بها الوطن؟
– أتمنى لهذا الوطن الأمن والسلام والاستقرار، كما أتمنى أن يلعب الفنانون دورهم في توحيد الناس، ونبذ الجهوية والعنصرية وخطاب الكراهية، والدعوة إلى التعايش والسلام.
في سيرة كوجاك
وُلد الممثل والمخرج والمؤلف عز الدين علي سليمان، المعروف فنيًا باسم (كوجاك)، في مدينة ود مدني عام 1958.
يروي كوجاك أن دخوله إلى عالم المسرح جاء مصادفة؛ إذ كان في الأصل منشدًا ومادحًا، قبل أن يجد نفسه على خشبة المسرح خلال الدورة المدرسية الرابعة التي أُقيمت في ود مدني عام 1977. فقد اضطر لتعويض أحد الممثلين في مسرحية (انتهت الجلسة) للكاتب المصري عبد المنعم سليم بعد وفاة والدته، وكان جاهزًا للدور بحكم حضوره البروفات. وبسبب مظهره الحليق آنذاك، أطلق عليه زملاؤه لقب (كوجاك) تأثرًا بالشخصية العالمية الشهيرة، ليلازمه الاسم منذ تلك اللحظة ويصبح علامة فنية مميزة له.
عُرف كوجاك بحركته الدؤوبة ونشاطه الميداني، إذ لم يكتفِ بالمسارح التقليدية، بل قدّم عروضه في الأحياء، والمدارس، والجامعات، والسجون، ودور الإصلاح، بل وحتى في بيوت الأعراس والمساجد والكنائس، مؤكدًا رؤيته بأن المسرح رسالة يجب أن تصل إلى الناس أينما كانوا. وقد جاب معظم ولايات السودان، مقدّمًا عروضه في أماكن متعدّدة.
ومن أبرز أعماله المسرحية: (الأرضة أكلت المستندات)، (المرحوم في كشف التسجيلات)، (مجانين تحت التمرين)، (الدنيا دلوكة)، (الدفن في مقابر الحكومة)، (لنا قضية).
وقد تميّزت أعماله بحمل رسائل اجتماعية مباشرة، تعالج قضايا المجتمع بجرأة ووعي، وهي السمات التي ستتبلور لاحقًا في مشروعه الأشهر “مسرح الكارو” والمسرح المتجوّل.

Leave a Reply