هذا المنشور ضمن برنامج (عينة الطرفة) الذي تقدّمه مؤسسة الفال الثقافية، ويُعنى بالاحتفاء بصُنّاع الأثر في السودان. شكرًا وامتنانًا لما قدموه وما يزالون يقدّمونه.
لماذا (عينة الطرفة)؟ لأنها عروس الخريف وعموده الفقري.. إذا صلحت، صلح الموسم كله. وكذا صُنّاع الأثر.. وجودهم بشارة خير لمجتمعنا وعموده الفقري..
#اضغط_الرابط_في_أول_تعليق:
نجمة أوقاتنا؛ حين نكتب عنها فإننا لا نفعل سوى أن نتحسّس نبضنا. يقول المثل السوداني: “شكّار نفسه إبليس” هربًا من الغرور، لكن الكتابة عن إستيلا ليست مديحًا لها بقدر ما هي مواجهة لذواتنا؛ لأنها ببساطة “نحن” في تفاصيلنا التي لا ينتبه إليها أحد.
إستيلا تسكن لحظاتنا اليومية: في صبرنا في المواصلات العامة، في عرق الظهيرة، في “الدغش” قبل أن تصحو المدينة، في حقائب النسوة الكادحات، وفي أحلام الشباب الذين يطاردون وطنًا في المنافي. استطاعت أن تقبض على تلك القوة الكامنة فينا وتضعها في كتاب.
هي شريكة الملح والجوع، تجلس بروحها على “برش” أوجاعنا، وتقاسمنا ما يسد حاجة نفوسنا من ترياق. تمنحنا القدرة على الضحك بين الدموع، وعلى انتزاع الفرح من “فرقات” الوجع. إستيلا بهار أيامنا ولقمتنا التي نتقاسمها بمحبة.
نكتب عنها فنكتب سيرنا الذاتية؛ بضحكاتنا وأحزاننا التي لا تزيدنا إلا صلابة. والصيدلانية التي في داخلها مزجت الحروف فصنعت منها دواءً؛ فمنذ (زهور ذابلة) و(العودة) و(أرواح إدو) و(وايريم)، ظلّ مشروعها يسعى لشفاء جراحنا، ولرتق جرح الوطن والإنسان. لم تكتب عنّا بقدر ما كتبت بنا، والفرق بين الاثنين كبير.
وحين تُعرف القلوب بأفعالها، تأتي مبادرتها (اصنع فرقًا بكتاب) بوصفها ذروة هذا المسار؛ مبادرة طافت البلاد، تنثر الكتاب حبًا، وتجمع الناس على القراءة، وتبني جسورًا من نور تعبر عليها الأرواح البسيطة.
إستيلا، يا ابنة الأرواح المتمرّدة، نحن بخير ما دمنا نرى وجهكِ في تفاصيلنا. امتناننا لكِ، لأننا، وإلى ما يشاء الله، سنظل نشبه بعضنا، ونظلّ نحن.
في سيرة إستيلا قايتانو
تُعد إستيلا قايتانو واحدة من أبرز الأصوات السردية في المشهد الأدبي السوداني والجنوب سوداني، حيث تكتب من تخوم التجربة الإنسانية الممزقة بين الحرب والمنفى والبحث الدائم عن معنى الانتماء. درست الصيدلة في جامعة الخرطوم، لكنها سرعان ما وجدت في الكتابة وسيلتها الأصدق للتعبير عن الأسئلة العميقة التي ظلت تلازمها حول الهوية والإنسان والوطن.
بدأت قايتانو مسيرتها الأدبية عبر القصة القصيرة في أواخر التسعينيات، قبل أن تفرض حضورها كصوت مختلف ينحاز إلى المهمشين والبسطاء. في أعمالها، لا تظهر الحرب بوصفها حدثًا سياسيًا فحسب، بل كحالة يومية تتسلل إلى تفاصيل الحياة الصغيرة، فتشكّل الوعي وتعيد صياغة العلاقات الإنسانية.
ما يميز كتابة إستيلا قايتانو هو قدرتها على المزج بين البساطة والعمق؛ فهي تكتب بلغة عربية شفافة، لكنها محمّلة بإيقاع الذاكرة الشعبية وروح الحكاية الأفريقية. لا تكتب عن شخصياتها من الخارج، بل تنفذ إلى داخلها، وتمنحها صوتًا حقيقيًا، كأنها تكتب “بهم” لا “عنهم”.
بعد انفصال جنوب السودان عام 2011، عاشت قايتانو تجربة الانقسام بكل تعقيداتها، واضطرت لاحقًا إلى مغادرة البلاد، لتستقر في أوروبا حيث واصلت الكتابة من موقع المنفى، حاملةً ذاكرة تجمع بين الفقد والحنين.
لم تقتصر مساهمتها على الكتابة فحسب، بل امتدت إلى العمل الثقافي والمجتمعي، من خلال مبادرات تهدف إلى نشر القراءة مثل (اصنع فرقًا بكتاب)، التي تسعى إلى بناء جسور معرفية بين الناس.
لقد حظيت أعمالها باهتمام متزايد على المستوى العالمي بعد ترجمتها إلى عدّة لغات، ما رسّخ مكانتها ككاتبة تحمل صوتًا إنسانيًا عابرًا للحدود.
في مجمل تجربتها، تبدو إستيلا قايتانو كاتبة تكتب من عمق التجربة، حيث تتحوّل الكتابة إلى فعل مقاومة، ومحاولة دائمة لترميم ما تهدّم في الروح، لتؤكد أن الحكاية تظل الطريق الأصدق لفهم الإنسان.

Leave a Reply