أنينٌ لا يُسمع

صحيفة الهدف

بشرى نصير

في زاويةٍ منسية من هذا العالم، حيث لا تصل الضحكات ولا تطرق الأبواب، كانت تجلس طفلةٌ بعينين عسليتين، تخبئ فيهما حكاياتٍ أكبر من عمرها. لم تكن تبكي كما يفعل الأطفال.. كانت تبكي بصمت، دون دموع، كأن الحزن استقر في داخلها حتى جفّت ملامحه على وجهها.

#اضغط_الرابط_في_أول_تعليق:

عاشت في كوخٍ هشّ، يتسلّل إليه البرد كما لو كان يعرف طريقه جيدًا إلى قلبها الصغير. كل نسمةٍ كانت تمر، لم تكن مجرد هواء، بل رسالة خفية تهمس لها: “اصبري”. لكنها لم تكن تفهم الصبر، كانت فقط تشعر بالوحدة.
لم تكن تعرف طريقها، ولا لماذا اختارتها الحياة لتكون في هذا المكان. كانت تراقب العالم من بعيد؛ ترى الآخرين يضحكون، يلعبون، يعيشون، بينما هي تقف عند الحافة، كأنها ليست جزءًا من هذا المشهد.
كانت تصيح.. لكن لا صوت لها.
تسأل.. لكن لا أحد يجيب.
تتألّم.. لكن لا أحد يرى.
وفي داخلها، كان هناك صندوق. صندوق صغير.. لكنه ممتلئ. ليس بالألعاب، ولا بالذكريات الجميلة.. بل بالأسرار.
كل مرة انكسرت فيها، كانت تضع قطعةً داخل هذا الصندوق.
كل مرة خُذلت، كل مرة انخدعت، كل مرة شعرت بأنها وحيدة.. كانت تغلق عليه أكثر.
ومع مرور الأيام، لم يعد الصندوق مجرد مكانٍ للألم.. بل أصبح ثقلًا تحمله في روحها.
لكن.. في يومٍ مختلف، لم يكن كغيره، وقفت أمام نفسها. لم يكن هناك أحد حولها، فقط هي.. وصوتٌ خافت ينبض من داخلها: “قومي”..
لم يكن الصوت عاليًا، لكنه كان صادقًا.
ارتجفت.. لكنها لم تهرب.
خافت.. لكنها لم تتراجع.
نظرت حولها، إلى الكوخ، إلى البرد، إلى الزاوية التي احتضنت ضعفها طويلًا.. ثم نظرت إلى داخلها. لأول مرة، لم ترَ طفلةً مكسورة.. بل رأت قلبًا ما زال ينبض، رغم كل شيء.
أمسكت بالصندوق.
تردّدت قليلًا.. ثم فتحته.
لم تبكِ.
اكتفت بأن تنظر إلى كل ما بداخله، ثم قالت بهدوء: “هذا أنا.. لكن ليس كلّي”.
أغلقت الصندوق.. وتركته خلفها.
خرجت من الكوخ.
الهواء الذي كان باردًا لم يعد يؤلمها.
الطريق الذي لم تكن تعرفه.. بدأ يتشكّل تحت خطواتها.
رفعت رأسها، ليس لأنها لم تعد تتألم.. بل لأنها قررت ألا تنحني مرة أخرى.
لم يعلم أحد كم مرة انكسرت.
لم يرَ أحد كم مرة خُذلت.
لكنها.. كانت تعرف.
وهذا كان كافيًا.
ابتسمت.. ابتسامة صغيرة، لكنها حقيقية.
ثم مشت، لا كما يريدون هم.. بل كما تريد هي.
وفي تلك اللحظة، لم تعد تلك الطفلة الضائعة في الزاوية..
بل أصبحت حكاية انتصار، بدأت بأنينٍ لا يُسمع.. وانتهت بصوتٍ لا يمكن تجاهله.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.