لعنة العقار: هل تتحوّل أراضي السكك الحديدية إلى “زئبق” يحرق المؤسسة القومية؟ (3)

صحيفة الهدف

محمد شريف
#ملف_الهدف_الاقتصادي
إن تشخيص “اللعنة العقارية” في السودان يفرض علينا التفكير في حلول تتناسب مع واقع الحرب والاضطراب الراهن في بورتسودان، مع رسم مسار استراتيجي لمستقبل ما بعد الأزمة. فالحلول المطلوبة ليست إسعافية فحسب، بل بنيوية تبدأ بوقف التدهور الحالي، وتنتهي بإعادة هيكلة شاملة للمؤسسة.
أولًا: الحلول الإسعافية (مرحلة حماية الأصول في ظل السيولة الإدارية)
في ظل غياب المجالس الإدارية وتداخل الصلاحيات السياسية، لا بد من اتخاذ خطوات فورية لحفظ ما تبقى من الأصول:
1/ التجميد القانوني للعقود الاستثنائية
يجب إصدار قرار سيادي أو وزاري بتجميد كافة التصديقات العقارية وعقود الاستثمار طويلة الأمد التي تُبرم في ظل “الفراغ الرقابي” (غياب مجلس الإدارة).
إن أي عقد يُوقَّع في ظروف “اللاشرعية الإدارية” (مثل التمديد غير القانوني للمسؤولين) يجب اعتباره مشوبًا بالبطلان، وغير مُلزم للهيئة مستقبلًا.
2/ التوثيق الرقمي والترسيم باستخدام نظم المعلومات الجغرافية (GIS)
حماية الأراضي تبدأ من معرفة حدودها بدقة.
لذلك، يجب استكمال مشروع ترسيم كافة حرم السكة الحديد رقميًا، وربطه بوزارة العدل (المسجل التجاري)، لمنع أي محاولات “تغوّل” صامتة تتم عبر تغيير أغراض الأراضي أو منح تصديقات مؤقتة تتحوّل لاحقًا إلى وضع يد دائم.
3/ تفعيل دور المراجع العام المستقل
يجب إخضاع ملف “استثمارات الأراضي” لمراجعة دورية وشاملة من ديوان المراجع القومي، مع التركيز على:
– مطابقة العقود لأسعار السوق
– منع تضارب المصالح
– مراقبة أي امتيازات عقارية تُمنح لمسؤولين أو لجان تدير المؤسسة نفسها
ثانيًا: الحلول الهيكلية (مرحلة عودة هيبة الدولة)
بعد استقرار الأوضاع، لا يمكن العودة إلى نظام “المركزية المطلقة” في يد المدير العام. الحل يتطلب تحوّلا مؤسسيًا جذريًا:
1/ تأسيس “شركة السودان للأصول السككية”
بدلًا من تبعية الأراضي لقسم الاستثمار داخل الهيئة، تُنشأ شركة مستقلة مملوكة للدولة، تُنقل إليها ملكية الأراضي غير المستخدمة في التشغيل الفني.
تُدار هذه الشركة بواسطة خبراء في الاستثمار والقانون، وتخضع لرقابة برلمانية مباشرة، وتكون مهمتها الأساسية:
تسييل الأصول لخدمة النقل السككي، لا توزيعها كامتيازات سياسية.
2/ إنشاء صندوق “تطوير النقل السككي”
تُودع كافة إيرادات الأراضي في صندوق سيادي خاص، يُخصص حصريًا للإنفاق الرأسمالي، مثل:
– شراء القاطرات
– صيانة الخطوط
– تحديث أنظمة الإشارات
ويُمنع قانونًا استخدام هذه الأموال في الحوافز أو المصروفات الإدارية، لضمان أن تظل الأرض خادمة للقطار، لا بديلًا عنه.
3/ إعادة الاعتبار لقانون الخدمة المدنية
إن استعادة هيبة الهيئة تبدأ من احترام قواعد الخدمة المدنية. فاستخدام المناصب الإدارية كوسيلة للبقاء في السلطة عبر توزيع الأراضي هو تفكيك للمؤسسة من داخلها.
لذلك يجب أن تستند التعيينات القيادية إلى:
– الكفاءة الفنية
– الالتزام بالمدد القانونية
– مبدأ تداول المواقع
وذلك لضمان دوران النخب، ومنع تشكل مراكز قوى عقارية داخل مرفق فني سيادي.
خاتمة المقال
إن معركة “أراضي السكة الحديد” ليست نزاعًا إداريًا عابرًا، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة السودانية على حماية أصولها القومية من النهب المنظم.
فإذا استمر التعامل مع هذه الأراضي باعتبارها “حصّالة” لسد العجز، أو “هبات” لشراء الولاءات، فإن النتيجة لن تكون مجرد خسارة أصول، بل تفكيك أحد أهم أعمدة النقل في السودان.
إن استعادة المؤسسة لا تبدأ بإصلاح العقود، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة وأصولها: هل هي ملكٌ عام يُدار بالكفاءة؟
أم موردٌ سياسي يُوزّع بالمحاباة؟
الإجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كانت السكك الحديدية ستعود شريانًا للحياة.. أم تتحوّل إلى ذاكرة من حديد.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.