السودان الغني والجنيه المنهار: حين تتحوّل الثروة إلى سؤالٍ في الإدارة

صحيفة الهدف

عادل أحمد محمد 

في مفارقةٍ تختصر مأساة الاقتصاد السوداني، يقف بلدٌ مترع بالموارد على حافة العجز، فيما تتهاوى عملته تحت وطأة اختلالاتٍ لا تعود إلى فقر الإمكانات، بل إلى غياب المعادلة التي تُحسن توظيفها. فالسودان، الذي يمتلك واحداً من أكبر احتياطيات الذهب في إفريقيا، لا يزال يعاني شحّاً مزمنًا في النقد الأجنبي، وكأن ثروته تنمو خارج حدوده أكثر مما تنمو داخله.

المفارقة الأكثر قسوة تكمن في أن ما يُقدَّر بنحو 70% من إنتاج الذهب يغادر البلاد عبر التهريب. هنا لا يعود السؤال اقتصادياً فحسب، بل يصبح سؤالاً في طبيعة الدولة نفسها: كيف يمكن لمورد سيادي بهذا الحجم أن يفلت من قبضة المؤسسات؟ وكيف تتحوّل ثروة قادرة على تثبيت العملة إلى عاملٍ في إضعافها؟

في مواقع إنتاج مثل منجم “أرياب”، ومناطق غنية كـ “جبال بني عامر”، كان يمكن للذهب أن يكون ركيزة استقرار نقدي لو أُدير ضمن منظومة شفافة. غير أن الخلل لا يكمن في الأرض، بل في طريقة النظر إليها؛ إذ يدفع غياب التسعير المجزي، وضعف الرقابة، وتعدّد مراكز القرار، المنتجين إلى الهروب نحو السوق الموازي. إن معالجة هذا الاختلال تتطلب إرادة تنظيمية: إنشاء بورصة ذهب سودانية، دمج التعدين الأهلي في الاقتصاد الرسمي، وتوظيف الذهب كاحتياطي نقدي داعم للجنيه.

وإذا كان الذهب يمثل مورداً مهدوراً، فإن الوقود يمثل نزيفاً مستمراً؛ ففاتورة استيراد الطاقة -وعلى رأسها السولار- تُعد أحد أكبر الضغوط على الميزان الخارجي. وهنا تتجلى مفارقة أخرى: بلدٌ يغمره ضوء الشمس، لكنه يرزح تحت عبء الوقود المستورد. التحوّل نحو الطاقة الشمسية لم يعد خياراً بيئياً، بل ضرورة اقتصادية بنيوية لخفض تكلفة الإنتاج وتقليل الطلب على النقد الأجنبي.

غير أن أخطر ما يهدد العملة يأتي من الداخل عبر “الخـ.ـطر الصامت”: تمويل العجز بطباعة النقود. فكل توسّع غير مدعوم في الكتلة النقدية يتحوّل تلقائياً إلى تضخم وتآكل في القوة الشرائية. الإصلاح النقدي يتطلب بنكاً مركزياً مستقلاً، ووقف التمويل بالعجز، وبناء احتياطي نقدي لإعادة الثقة في العملة الوطنية.

وعلى الضفة الأخرى، يقف الإنفاق الحكومي بوصفه مرآةً لاختلال الأولويات؛ فالإنفاق غير المنتج وتضخم الجهاز الإداري يستنزفان الاقتصاد. الإصلاح المالي يعني إعادة تعريف وظيفة الدولة: ترشيد الإنفاق، توجيه الموارد نحو البنية التحتية، وتعزيز الشفافية. فالدولة التي لا تضبط إنفاقها، لا تستطيع أن تضبط عملتها.

وفي قلب هذه الاختلالات، يبرز القطاع المصرفي كحلقة مفقودة؛ إذ أدت أزمة الثقة إلى خروج كتل نقدية كبيرة خارج النظام البنكي، ما فتح المجال أمام السوق الموازي ليصبح الفاعل الرئيسي. إعادة بناء هذه الثقة تتطلب ضمانات حقيقية للمودعين وتسهيل التحويلات الرسمية. ورغم أهمية الذهب، فإن الارتهان له وحده يمثّل مـ.ـخاطرة استراتيجية؛ فاقتصاد مستقر لا يُبنى على مورد واحد، بل على تنوعٍ يشمل الزراعة والثروة الحيوانية والصناعات التحويلية.

لكن كل هذه المسارات تبقى معلّقة بشرطٍ أولي: الاستقرار. فالإصلاح الاقتصادي لا ينمو في بيئة مضطربة، ولا يزدهر في ظل غياب سيادة القانون وضرر الحـ.ـرب المستمرة. في الخلاصة، لا يبدو انهيار الجنيه السوداني لغزاً، بل نتيجة منطقية لضعف السيطرة على الموارد، وغياب الانضباط النقدي، وسوء إدارة الإنفاق. لقد آن الأوان للانتقال من التشخيص إلى الفعل، وبناء اقتصادٍ يقوم على الإنتاج لا المضاربة.

#السودان #اقتصاد_السودان #انهيار_الجنيه #الذهب #تهريب_الذهب #الطاقة_الشمسية #أخبار_السودان #ملف_الهدف_الاقتصادي #الإصلاح_الاقتصادي #حـ.ـرب_السودان #لا_للحرب #عادل_أحمد_محمد

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.