طارق عبد اللطيف أبو عكرمة
عندما نقرأ تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، نجد أرقاماً مبهرة: اقتصادات عربية تحقق نمواً سنوياً بنسبة 3% أو 4% أو حتى 6% في سنوات الازدهار. نرى مؤشرات البورصة تصعد، ونسمع عن صفقات استثمارية ضخمة، ومشاريع عقارية عملاقة، ومدن جديدة تخرج من الرمال.
لكن، ما إن نرفع رؤوسنا من الأرقام إلى الواقع، حتى تتكشف صورة مغايرة: بطالة متفشية، فقر متزايد، خدمات عامة متداعية، تعليم يخرّج عاطلين، وصحة لا تغطي الفقراء، ومدن تختنق بالأحياء العشوائية، وأرياف تنزف سكانها نحو الحضر.
هذه هي المفارقة التي يضع إصبعَه عليها التقرير الاقتصادي للمؤتمر القومي الثالث عشر لحزب البعث العربي الاشتراكي (يناير 2026): فالنمو الاقتصادي، بمفرده، ليس ضماناً للتنمية، بل قد يكون، في بعض الحالات، غطاءً للتشوّهات، وسجناً للمستقبل.
هذا المقال محاولة لفهم: لماذا فشل النموذج الغربي للتنمية في الوطن العربي؟ ولماذا حقق معدلات نمو جيدة، لكنه أنتج تشوّهات بنيوية؟ وهل هذا النموذج قابل أصلاً للتصدير، أم أنه وُلد من رحم ظروف تاريخية لا تتكرر؟
أولاً: التشوّهات البنيوية.. حين ينمو الاقتصاد وتتشوّه البنية
يذكر التقرير الاقتصادي للمؤتمر القومي الثالث عشر أن تبنّي النموذج الغربي للتنمية أدى إلى بروز تشوّهات خطيرة في الاقتصاد والمجتمع العربي، وهي ليست حوادث عابرة، بل نتائج حتمية لنموذج يهتم بـالكم (معدلات النمو) قبل الكيف (طبيعة الإنتاج، توزيع الثروة، جودة الحياة).
1/ هيمنة قطاع الخدمات على حساب الإنتاج عند تبنّي نموذج “النمو الاقتصادي” القائم على جذب الاستثمارات الأجنبية وتحرير الأسواق، تزدهر القطاعات الأسرع ربحاً: الخدمات المالية، العقار، التجارة، السياحة، الاتصالات. أما القطاعات الإنتاجية (الصناعة، الزراعة، التعدين) فتتراجع أو تظل هامشية. النتيجة: اقتصاد عربي خدمي لا إنتاجي، يستهلك ما يصنعه الآخرون، ويصدّر المواد الخام أو يقدم خدمات، دون بناء قاعدة صناعية حقيقية. وهذا هو جوهر “النمو بلا تنمية”.
2/ تضخّم القطاع العقاري (وهم الثروة) تحوّل العقار من حاجة إنسانية إلى سلعة استثمارية ومخزن للقيمة. الأثرياء يشترون لا للسكن، بل للمضاربة. النتيجة:
- شقق فاخرة خاوية.
- ملايين في أحياء عشوائية.
- ارتفاع أسعار يفوق القدرة الشرائية.
- فقاعة عقارية مهددة بالانفجار. هذا ليس نمواً اقتصادياً، بل تضخّم وهمي للثروة.
3/ اختلال التوازن بين الريف والحضر النموذج الغربي بطبيعته مركزي، يركّز الاستثمار في المدن الكبرى ويُهمّش الأرياف. النتيجة:
- هجرة الريف إلى المدن.
- تراجع الزراعة.
- بطالة وتوترات اجتماعية. وتشير الأرقام إلى انخفاض نسبة العاملين في الزراعة عربياً من 49.7% عام 1970 إلى 22.4% عام 2023، ليس فقط نتيجة تطور طبيعي، بل بسبب تهميش ممنهج للريف.
ثانياً: الفرق بين النمو والتنمية – جوهر الخلط
النمو الاقتصادي يقيس أساساً ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي، بينما تقيس التنمية جودة الحياة والعدالة الاجتماعية داخل المجتمع. وفي حين أن النمو الاقتصادي غالباً ما يستفيد منه النخب والشركات الكبرى، فإن التنمية تستهدف المواطن العادي والفئات الأوسع في المجتمع.
كما أن طريقة قياس النمو الاقتصادي تعتمد على الأرقام والإحصاءات والمؤشرات الكمية، بينما تعتمد التنمية على مؤشرات أكثر عمقاً مثل التعليم والصحة ومستوى الدخل والمعيشة. من حيث الاستدامة، يُعد النمو الاقتصادي قصير الأجل وقد يتقلب أو يتراجع، بينما تتميز التنمية بأنها طويلة الأجل وتبني قدرات اقتصادية واجتماعية مستدامة.
أما من حيث الأثر الاجتماعي، فإن النمو الاقتصادي قد يؤدي إلى توسيع الفجوات بين الفئات الاجتماعية، في حين تسعى التنمية إلى تقليص هذه الفجوات وتحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية. النمو قد يأتي من النفط أو العقار أو الاستثمارات المؤقتة، لكنه لا يعني تنمية. التنمية هي بناء الإنسان، لا تضخيم الأرقام.
ثالثاً: لماذا نجح النموذج الغربي هناك وفشل هنا؟
1/ اختلاف نقطة البداية (التراكم التاريخي) أوروبا بدأت نهضتها دون استعمار ينهبها، بل كانت هي القوة المستعمِرة، وبنت صناعتها تدريجياً. أما الوطن العربي، فبدأ متأخراً، مفككاً، تابعاً.
2/ لعنة الريع الموارد الطبيعية (النفط والغاز) تحوّلت من فرصة إلى عائق، إذ شجّعت على اقتصاد استهلاكي غير منتج.
3/ غياب المشروع الوطني في أوروبا، كان التصنيع مشروعاً وطنياً. في العالم العربي، ارتبط الاقتصاد بجذب الاستثمار لا ببناء الاستقلال.
4/ الاستعمار الجديد (الديون والعولمة) لم يعد الاحتلال عسكرياً، بل اقتصادياً عبر الديون وشروط المؤسسات الدولية: تحرير أسعار، خصخصة، رفع دعم، فتح الأسواق. النتيجة: تضخّم، فقر، تآكل الطبقة الوسطى.
5/ النموذج غير قابل للتصدير النموذج الغربي ليس وصفة عالمية، بل تجربة تاريخية خاصة. تطبيقه حرفياً في بيئات مختلفة أدى إلى أزمات بدل التنمية.
رابعاً: ما العمل؟ نحو نموذج تنموي عربي بديل
المطلوب ليس رفض الغرب، بل إعادة إنتاج نموذج يناسب واقعنا عبر:
- تنمية قومية تكاملية: تكامل عربي اقتصادي لمواجهة التكتلات العالمية.
- تنمية ديمقراطية: ربط الاقتصاد بالمشاركة الشعبية والشفافية.
- تنمية عادلة (اجتماعية): تكافؤ الفرص، توزيع عادل للثروة، ودولة رعاية (تعليم، صحة، سكن).
خاتمة: من عبادة النمو إلى إنصاف الإنسان
لقد آن الأوان للتخلّي عن وهم أن ارتفاع الناتج المحلي يعني تحسّن الحياة. فالهدف ليس أرقاماً أكبر، بل إنسانًا أكثر كرامة. النمو الحقيقي هو الذي يشعر به المواطن في: دخله، تعليمه، صحته، وأمنه الاجتماعي. أما النمو الذي لا يصل إليه، فليس إلا وهماً إحصائياً.
نحن بحاجة إلى نموذج يوازن بين السوق والدولة، يجمع بين الحرية والعدالة، ينفتح دون أن يذوب، وينمو دون أن يظلم.
سؤال مفتوح: متى كانت آخر مرة شعرت فيها أن “النمو الاقتصادي” في بلدك قد انعكس عليك فعلياً؟ أم أنك، مثل كثيرين، ترى الأرقام ترتفع.. بينما الحياة لا تتغير؟

Leave a Reply