جمال عدوي
في أحيان عديدة تواصل إذاعة الـ (بي بي سي) الاحتفاء بالفن والأدب في السودان، خصوصًا عبر بث لقاءات أرشيفية مع الكثير من الأدباء والفنانين السودانيين.
قبل أيام استمعت لدقائق معدودة لجانب من لقاء لـ (بي بي سي) مع الشاعر الراحل محمد الفيتوري. قال في كلمات موجزة إنه تعرّض لمضايقات حينما كان رئيسًا لتحرير مجلة (هنا أم درمان) بالسودان بسبب مواقفه السياسية، وكان ذلك في الأسابيع الأخيرة من فترة نظام حكم الرئيس السوداني الراحل الفريق إبراهيم عبود (1958-1964).
وأضاف أنه فكّر سريعًا في مغادرة التراب الذي أحبه ليسافر، معتبرًا أنه ليس لديه ما يملكه في الدنيا سوى “كرامته وأشيائه الخاصة”، وأشار إلى أنه سلّم الموسيقار الراحل محمد وردي قصيدة أو عشرة أبيات من قصيدة طويلة عن إفريقيا.. تلك الأبيات عُرفت لاحقًا باسم (نشيد أصبح الصبح). سلّمها له قبل أيام من مغادرته للسودان.
وقال الفيتوري إنه بعد يوم واحد فقط من سقوط نظام عبود عبر ثورة شعبية في أكتوبر 1964، استمع من إذاعة أم درمان إلى نشيد (أصبح الصبح).. ووصف النشيد بأنه صار (مارسيليز السياسة السودانية) ولا يزال. ونقرأ في (ويكيبيديا) عن المارسيليز أو (لا مارسييز) أنه “هو النشيد الوطني للجمهورية الفرنسية تمّت كتابته في عهد الثورة الفرنسية”.
في ذلك النشيد يقول الفيتوري: “أصبح الصبح فلا السجن ولا السجان باق”. وفي فترة لاحقة كتب الفيتوري الكثير من قصائد الثورة ومحبّة الوطن والانتماء إلى الشعب.
تغنّى له وردي بعد سقوط نظام الرئيس الراحل المشير جعفر نميري بنشيد (عرس السودان). وفي النشيد الذي صدح به وردي بعد أيام معدودة من سقوط النظام الديكتاتوري عبر انتفاضة مارس – أبريل 1985 يقول الفيتوري: “في زمن الغربة والارتحال تأخذني منك وتعدو الظلال”.
إن أحاسيس الفيتوري لأوقات طويلة بحزن البعد عن وطنه السودان لظروف “السياسة” جعلت لكلماته الشعرية نبرة أخاذة تستقطب إعجاب المتلقي.
وفي لقاء أرشيفي آخر مع وردي استمعت إليه في (البي بي سي) قبل أيام قال: “إن الغربة طالت”. وكان المتلقي أيضًا يستشعر في ألحان وردي وأدائه للأغنيات، عاطفية كانت أو وطنية، شجن الإحساس بالغربة.
أتذكر أن الأديب الراحل الطيب صالح قال ذات يوم: “صنعتني الغربة”، وكان ذلك في حوار أجراه معه في لندن الكاتب والناقد المغربي بشير القمري، وطُبع في كتيب صغير حين كُرّم الطيب صالح في مهرجان أصيلة في النصف الأول من التسعينيات.
صالح كان يستعيد الوطن والمجتمع بكل تفاصيله عبر حروف الكتابة وعبر ثيمات قصصه ورواياته: نخلة على جدول، ودومة ود حامد، وموسم الهجرة إلى الشمال، ومريود، وبندر شاه، ثم في المختارات وخصوصًا كتابه بعنوان (خواطر الترحال).
الغربة رغم الشجن تظل دائمًا ملهمة للكثير من المبدعين. وأقول هنا إن إبداعات الفيتوري قد استقطبت جمهورًا كبيرًا، وظل المتلقي يسعد بقراءة والاستماع إلى قصائده زمنًا طويلًا بصوته المعبر النابض بالحقائق، تلك القصائد التي تعكس رقة الشعور وبلاغة التعبير وتفرد المعاني وعمق المواقف.
ولا يزال جمهور (الفيتوري) يستعيد العديد من المقاطع الشعرية المبدعة التي كتبها، ومنها هذا المقطع من قصيدة معزوفة لدرويش متجوّل: “وتجف مياه البحر وتقطع هجرتها أسراب الطير.. وحزنك في عينيك جبال ومقادير وأجيال”.

Leave a Reply