الشاعر محمد الفيتوري.. ويده المرتعشة

صحيفة الهدف

سيدي محمد

عندما نكتب عن شاعر عربي، فإننا بالتأكيد نكتب وأمام أعيننا أننا نكتب عن قصيدة عاشت في المنفى وماتت في المنفى دون أن يقرأها أحد، لا لشيء سوى أن الكلمة الإبداعية مزعجة، خاصة إذا كان صاحبها يمتلك تاريخًا وامتدادًا إبداعيًا لا يعترف بقوانين الرتابة وأقفاص السكون.
الشاعر محمد الفيتوري ويده المتعبة أحد المنفيين داخل وطنه، حيث لم يعد المنفى مجرد حرمان من العيش على أرض تصالحت معها النفس والروح، بل أن تغيب وأنت حاضر.. فقليلون هم الذين يعرفون أن الشاعر الذي غنّى لإفريقيا وعاش لإفريقيا وسيموت لإفريقيا لم يعد قادرًا على الكتابة بيده اليمنى بعد أن سطرت أجمل الألحان مسجلة الماضي والحاضر والمستقبل.
يد الفيتوري المرتعشة، بعد أن أصيب بجلطة دماغية، أصبحت تأبى أن تطاوع ترنيمات يمليها عبقر شعره الذي قال عنه مرة إنه يذهب إليه ولا ينتظر مجيئه، عكس الشعراء الآخرين.
الفيتوري مهر أصيل ضلّ وهاده ما بين مضارب تغلب وبكر وكندة وعبس، ساكنًا روح عنترة، مرورًا بكل عصور التشظي العربي شعرًا وسياسة، حتى أصبحت قصائده سجلًا وديوانًا لكل أشكال الحركة المعاصرة بترسباتها وسكونها وثوراتها ومخاضها، وكأنما سكنت روحه شجر النيل أو خبأ ذاته في نقوش تضاريس أمته:
“سأرقد في كل شبر من الأرض
أرقد كالماء في جسد النيل
أرقد كالشمس فوق حقول بلادي
مثلي أنا ليس يسكن قبرًا”.
إنه طيف منفلت من عصور الرتابة جاء تاركًا خلفه كتب الرمل متطلعًا إلى كتب الغيم وشموسها التي لا تضيء وكائناتها التي تعيش في الظلام كالدبابير.. بدءًا من (أغاني إفريقيا) سكب الفيتوري حريته على كل بقعة من أرض إفريقيا وأسَال دم قصيدته فداء للقصائد الأخرى، مستنشقًا نسيم الشعر الذي لا تحده الحدود، ساخطًا ومُعريًا لأبشع صور الموت داخل الحياة:
“قلها، لا تجبن، لا تجبن
قلها في وجه البشرية
أنا زنجي وأبي زنجي الجد
وأمي زنجية
أنا أسود، لكني حر أمتلك الحريّة
أرضي إفريقية”
الحريّة عنده هي الأصل، بينما الأحداث الأخرى عوارض:
“أمس قد مرّ طاغية من هنا
نافخًا بوقه تحت أقواسها
وانتهى حيث مرّ”..
وهنا ندرك أن سر هذه الحرارة في قصائده التي يشكل فيها التصادم والعناد والصرخة إيقاعًا يكاد يكون منتظمًا، هي بسبب الجمرة الإفريقية في دم الفيتوري التي ما زالت متقدة تلتهم عواطفه وتثور معها أحاسيسه مع مأساة انتعال ذلك الجسد الإفريقي كما عرتها رواية الجذور بكل قرف حضاري:
“جبهة العبد ونعل السيد
وأنين الأسود المضطهد
تلك مأساة قرون غبرت
لم أعد أقبلها لم أعد
كيف يستعبد أرضي أبيض
كيف يستعبد أمسي وغدي
كيف يخبو عمري في سجنه
وجبال السجن من صنع يدي
أنا فلاح ولي الأرض التي
شربت تربتها من جسدي”
وربما غذّى تلك الجمرة الزنجية لدى شاعرنا لهيب من الدم العربي الصحراوي المكهرب بقضايا أمة ما زالت في حالة موت سريري منذ نصف قرن، ليشكل الفيتوري بذلك حالة فريدة من الانتماء للونين مختلفين وتاريخين يصعب المزج بينهما، وهي حالة الجيل الذي ينتمي إليه الفيتوري “محيي الدين فارس وتاج السر الحسن وجيلي عبد الرحمن” والذي تضجّ قصائده بأصداء هذه النزعة الزنجية والولاء العربي.
فهل نجح الفيتوري في خلق التوازن أم ضاع بين الثقافتين؟
قد لا نظلم الشاعر الكبير إذا قلنا بأنه كان منصفًا جدًا ووفيا لإفريقيته وزنجيته وكتب عنها أجمل ما يمكن أن يهديه عاشق لمحبوبته، ووعيًا منه بذلك كان لا بد من وداع يثبت في الذاكرة البشرية هذا الرصيد الشعري الذي يؤكد على التحام الفيتوري بقضيته، فجاء ديوانه (اذكريني يا إفريقيا) كنهاية لمرحلة وبداية لأخرى قومية عربية.
هذا الشاعر الذي أصبح كالعامل المتنازع عليه في عرف النحويين رصد في هذه المرحلة كل الأفلاك المحيطة بفلكه القومي.. آخرها كان مع سقوط بغداد، حينما أبحر الفيتوري الثائر كعادته بين كلماته المتعبة بمرور السنين والمفجعة مثل عمره الذي أثكله الماضي، ساحبًا وراءه شموخ جيل عاش مرحلة من مراحل التعب الحضاري والتحدي. وقد تجذّر هذا التحدي في الأجيال الحالية رمزًا للفداء.
ففي قصيدة له بعد الغزو والاحتلال نجده لا يسخر من الواقع العربي بقدر ما يربت على كتف الشهيد العراقي والعربي، ولا ينتقص من قيمة العطاء رغم قلّته بقدر ما يمسح الدموع عن خدود ضائعة مبتلة بين دجلة والفرات بل بين المحيط والخليج، ليعلن صرخة الميلاد بصوته المبحوح مؤذنًا بفجر جديد:
“دعونا نعلّق على مشجب الشمس أكفاننا..
ونهزّ بيارقنا..
أو دعونا نصلي..
فقد تُخصّب الصلوات التي يبست في حناجرنا
ثم سالت نعوشًا عراقيةً
ومدائن مكسوة بالحرائق، مزدانة بالدماءْ..
دعونا نغني لمن يستحق الغناءْ
ونبكي لمن يستحق البكاءْ
ومن تتناغم أطيافنا في رؤاهْ
ومن هو نافورة الضوء تحت السماءْ”.
يسبح الفيتوري ضد التيار ومعه أحيانًا أخرى، وأشعاره تتجوّل في أحيان كثيرة، بعد ذلك التنازع، في الأفق الصوفي الوجداني كنوع من تلطيف المرحلة الشعرية، يقول في قصيدة (معزوفة إلى درويش متجوّل):
“شحبت روحي صارت شفقًا
شعّت غيمًا وسنا
كالدرويش المتعلّق
في قدمي مولاه أنا”.
ثم لا يلبث أن يجد نفسه مجموعة أشياء متناثرة ومتناقضة:
“فأنا جسد.. شجر.. شيء عبر الشارع
جُزرٌ غرقى في ماء البحر
قنديل زيت مبهوت
في أقصى بيت في بيروت”.
ثم يتوحّد مع مكانه وزمانه وعشقه:
“عشقي يفني عشقي
وفنائي استغراق
مملوكك لكني
سلطان العشاق”.
بدر الفيتوري لم يأفل بعد كما هي شمسه التي لم تغب.. بل نجده ما زال يرقص معها عاريًا في رسالة استهزاء بكل تابوهات الوجود، مع ديوانه الجديد الذي حمل عنوان (عريان يرقص في الشمس). هذا الديوان الجديد يكاد يشكّل عنوانه بعدًا خياليًا واسعًا بدءًا من الرقص إلى استخدام مفردة الشمس مع العري من مبدع جاوز السبعين من عمره، لكنه أيا كانت الأبعاد فإن الشاعر في هذا الديوان ما زال يتغنى بإفريقيته جنبًا إلى جنب مع عروبته على نغمات صوفية يقترب فيها من فلسفة المعرّي وتلاشي الشعور في دخان الكلمات، يقول:
“بعض عمرك ما لم تعشه
وما لم تمتْه
وما لم تقله
وما لا يقال
وبعض حقائق عصرك
أنك عصر من الكلمات
وأنك مستغرق في الخيال”

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.