حاتم الكناني
رحلت في الثالث من مايو 2023 الممثلة السودانية البارزة آسيا عبد الماجد، ضحية لأحداث الحرب الجارية في العاصمة الخرطوم منذ 15 أبريل 2023، وهي الرائدة المسرحية السودانية، وزوجة الشاعر المتنازع عليه بين السودان ومصر وليبيا محمد مفتاح الفيتوري.
وتركت وفاتها أثرًا كبيرًا في الوسط الثقافي في السودان، بخاصة أن أسرتها اضطرت إلى دفن جثمانها في منزلها الذي وافتها فيه المنية، في مدينة الخرطوم بحري، إذ صعب نقل جثمانها ليوارى في مقابر المدينة، وسط دوي القذائف وأزيز الرصاص، بحسب ما ذكر ابنها تاج الدين الفيتوري.
وتعد الراحلة إحدى رائدات المسرح السوداني، ممن اخترن طريق صقل موهبتهن بالدراسة الأكاديمية، فسافرت إلى مصر عام 1968 للدراسة في أكاديمية الفنون المسرحية وتخرجت في 1972.
وولدت آسيا محمد توم الطاهر الكتيابي، وهو اسمها بحسب شهادة الميلاد عام 1943 في حي العمدة بمدينة أم درمان، وانفصل والداها وهي لم تتجاوز العامين، وعاشت من بعد ذلك في كنف زوج والدتها عبد الماجد، واشتهرت باسم آسيا عبد الماجد كاسم فني.
في عام 1959 التحقت آسيا بكلية المعلمات في أم درمان، وعملت بعد تخرجها في الكلية نفسها. وكانت في السبعينيات موظفة في وزارة الثقافة والإعلام. واهتمت الراحلة بالتعليم ما قبل المدرسي، وأسست روضة (أم إيهاب) في مدينة الخرطوم بحري، ثم توسّعت مؤسستها التعليمية لتضم جميع المراحل حتى المرحلة الثانوية، وهي أول ممثلة سودانية تصعد على خشبة المسرح في ستينيات القرن العشرين، وأطلقت عليها الصحافة حينها لقب ممثلة السودان الأولى.
ومن زملائها في أكاديمية الفنون المسرحية مسرحيون كبار مثل أحمد زكي وأحمد عبد الوارث وأحمد ماهر وسميرة محسن وشهيرة وعفاف شعيب ومحمد صبحي. ونالت الراحلة درجة الماجستير من معهد الخرطوم الدولي لتعليم العربية والدراسات الإضافية.
بوابة الممثلات
المخرج المسرحي والتلفزيوني محمد علي مخاوي يقول إن “ارتباط اسم آسيا عبد الماجد بالشاعر الكبير محمد مفتاح الفيتوري حجب عنها ما تستحق من إلقاء الضوء، فقد فتحت للممثلات السودانيات بابًا محترمًا يدخلن إليه واثقات، وينظر إليهن باحترام، حين كان التمثيل يعد في الأعراف السودانية منتقصًا من مكانة المرأة. وكان يستعاض عن وجود المرأة بالإتيان برجال ليقوموا بأدوار نسائية”.
ويضيف مخاوي “لولا التضحية العظيمة التي قدّمتها آسيا لما جاءت ممثلات مثل تحية زروق وبلقيس عوض وبنات محمد محمود والرضية آدم وفوزية يوسف، ولا أجيال ضمت مثل تماضر شيخ الدين ونادية بابكر ومريم محمد الطيب، ولا شهدنا تهاني عبد الله أو أميرة أحمد إدريس، فقد كنست الشارع لهن، كما يقال”.
ويوضح مخاوي “حين صعدت آسيا في الستينيات من القرن الماضي على خشبة المسرح في أول موسم مسرحي منتظم، كان كثير من البيوت السودانية تتوارى خجلًا من مجرد ذكر المسرح، وكانت الحلول أمام أهل المسرح لا تزيد على صعود الرجال في ثياب النساء. المغامرة التي بدأتها آسيا بذلك الصعود المدوي قطعًا دفعت ثمنها”.
ويعتبر مخاوي أن “آسيا واحدة من ملهمات الفيتوري العظيمات، فإذا لم تصنع للشعب السوداني شيئًا سوى مرافقتها لذلك الشاعر الكبير لكفاها”.
جذبت الفيتوري إلى المسرح الشعري
يرجح مؤلف كتاب (الفيتوري.. المسار والمصير) طلال الناير، في حديث لـ(اندبندنت عربية)، أن آسيا كانت سببًا في تعارف الفيتوري والشاعر والمؤلف المسرحي السوداني خالد أبو الروس (1908- 2013)، وهي أيضًا التي لفتت نظر الفيتوري إلى مجال المسرح الشعري، فكتب مسرحية (سولارا) التي عرضت في القاهرة في عام 1970. وهي المسرحية التي رأى فيها الفيتوري تجربة لإثبات أن النص الشعري يمكن أن يملك قوة التعبير أكثر من النثر، وأنه لا يوجد تضاد بين رومانسية الشعر ودرامية المسرح، وقد أخرج المسرحية المصري السيد راضي، لكنها فشلت من الناحية التجارية.
مثّلت آسيا في مسرحيات تعتبر من الكلاسيكيات التي أسّست المسرح السوداني مثل (خراب سوبا) لخالد أبو الروس، و(المك نمر) للشاعر إبراهيم العبادي (1894- 1981)، ومسرحية (بامسكيا) لحميدة تور الجر (1925- 1997)، ومسلسل (المقاطيف) الإذاعي في عام 1969. ومثّلت في القاهرة في مسرحية (البكاشين) مع الراحل فريد شوقي التي عرضت في عام 1962.
ويقول الناقد السر السيد إن سبب لقائها الفيتوري هو نشاطها في كلية المعلمات، مما دفعه إلى كتابة مقال في أدائها.
وعلى رغم توقفها عن نشاطها المسرحي في نهاية الستينيات، اتجهت بعد ذلك إلى التعليم ما قبل المدرسي، وأسست روضة (أم إيهاب).
امرأة رائدة خلف شاعر كبير
تذكر ابنتهما سولارا الفيتوري أن والدتها كانت ترى الفيتوري “رسالة” وأنها يجب أن تسانده وتحتويه. وتقول إن والدتها كانت ملهمة عظيمة له، وكان يرى فيها نضج المرأة السودانية، وأن كثيرًا من قصائده الإفريقية ارتبطت بصورتها، ورمز إليها بالأبنوسة والسمراء وإفريقيا.
وتضيف أن العلاقة بينهما كانت فكرية وإنسانية تتجاوز الزواج، وارتبطت بالقضايا السياسية والإنسانية مثل ثورة أكتوبر والانقلابات والتحوّلات السياسية. وتشير إلى أنها أسهمت في تدريبه على الإلقاء الشعري، مستفيدة من دراستها المسرحية.
ويستشهد محمد نجيب محمد علي بوصف أحمد سعيد محمدية لها بأنها “فنانة سمراء، حادة الذكاء، صارخة الجمال، مسكونة بجنون الفن”. ويرى أن حياتها كانت بين حلم الفن وضغط العائلة التقليدية، وهو ما انعكس أيضًا في علاقتها بالفيتوري.
ونختتم بالإشارة إلى أن وفاتها في ظل الحرب جعلت من سيرتها علامة على مأساة الواقع السوداني الحالي، وأن دفنها في منزلها يعكس قسوة اللحظة الراهنة.

Leave a Reply