تحويل البنك الزراعي إلى تجاري: تفكيك أدوات التمويل وأزمة الموسم في السودان

صحيفة الهدف

مجدي علي

في تطوّرٍ لافت داخل القطاع المصرفي السوداني، شرع البنك الزراعي في إجراءاتٍ رسمية لمراجعة قانون إنشائه الصادر عام 1957، تمهيدًا لإعادة هيكلته وتحويله إلى بنكٍ تجاري مع طرح جزء من رأس ماله للاكتتاب العام. ويأتي هذا التحوّل في لحظة اقتصادية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها أزمات الإنتاج الزراعي مع اضطراب النظام المالي، ما يضع مستقبل التمويل الزراعي في قلب النقاش العام حول الأمن الغذائي واستدامة الموسم الزراعي.
منذ تأسيسه، جرى تصميم البنك الزراعي بوصفه مؤسسةً تنموية سيادية تتولى تمويل القطاع الزراعي باعتباره الركيزة الأساسية للاقتصاد الوطني. وقد اضطلع بدور محوري في تمويل صغار ومتوسطي المنتجين، وتوفير التمويل الموسمي لمراحل الإنتاج المختلفة، كما ارتبطت وظيفته التشغيلية تاريخيًا بالمشاريع الزراعية الكبرى مثل مشروع الجزيرة والرهد والمشاريع المطرية المنظّمة، حيث شكّل أداة وصل بين الدولة والبنية الإنتاجية في الريف السوداني.
وتُظهر البيانات الصادرة عن البنك الزراعي في الفترات التي سبقت الحرب، إلى جانب تقارير وزارة الزراعة والغابات، أن المؤسسة كانت تمثّل أحد أهم مصادر التمويل الموسمي للمحاصيل الاستراتيجية مثل القمح والذرة والقطن، بما جعلها أداة تدخّل مباشر في استقرار الدورة الزراعية. غير أن هذا الدور شهد تراجعًا تدريجيًا خلال العقدين الأخيرين، نتيجة اختلالات هيكلية في منظومة التمويل، وتزايد التعثّر في السداد، وتقلّص قدرة البنك على الإحاطة الفعلية باحتياجات الإنتاج مقارنة بحجم الطلب الزراعي المتنامي.
وتشير المؤشرات الواردة في تقارير الأداء الصادرة عن وزارة المالية وبنك السودان المركزي والتقارير السنوية للبنك الزراعي إلى مجموعة من الاتجاهات الدالة، من أبرزها:
– تقلص الوزن النسبي للتمويل الزراعي ضمن إجمالي التمويل المصرفي.
– اتساع الفجوة بين التمويل المتاح والاحتياجات الفعلية للمواسم الزراعية.
– تنامي الاعتماد على التمويل قصير الأجل ذي الطابع التجاري بدل التمويل الإنتاجي طويل الأجل.
– ارتفاع معدّلات التعثّر المالي في ظل ضغوط التضخّم وتقلّبات سعر الصرف.
وتعكس هذه المعطيات تحوّلًا بنيويًا في وظيفة المؤسسة، أكثر من كونها اختلالات تشغيلية ظرفية، إذ تشير إلى تآكل تدريجي في الدور التنموي للبنك.
في هذا السياق، لا يمكن قراءة الاتجاه نحو تحويل البنك إلى مؤسسة تجارية باعتباره مجرد إعادة هيكلة إدارية، بل باعتباره مؤشرًا على تغيّر أعمق في فلسفة إدارة القطاع الزراعي، يتمثّل في تراجع منطق التمويل التنموي لصالح منطق السوق والعائد المالي، في ظل بيئة اقتصادية مثقلة بتداعيات الحرب.
وينعكس هذا التحوّل مباشرة على البنية الإنتاجية، إذ يؤدي إلى إعادة تعريف شروط الوصول إلى التمويل، بما يرفع كلفة الإنتاج ويقلّص قدرة صغار المنتجين على الاستمرار، في وقت تتفاقم فيه ضغوط الأسعار وانكماش القدرة الشرائية وتدهور العملة الوطنية.
كما أن طبيعة البنك الأصلية كمؤسسة دعم حكومي للقطاع الزراعي تجعل من تحويله إلى كيان تجاري انتقالًا من نموذج “الدعم المؤسسي” إلى نموذج “المخاطر المحالة إلى المُنتِج”، وهو ما ينعكس على استقرار الدورة الزراعية وعلى قدرة الدولة على التدخّل في لحظات الاختلال.
وفي المقابل، يؤدي هذا المسار إلى إعادة توزيع غير متكافئ للتمويل الزراعي، بحيث تصبح الأولوية للفئات الأكثر قدرة على التكيّف مع شروط السوق المصرفي، بينما يتراجع حضور صغار المنتجين الذين يشكّلون القاعدة الفعلية للإنتاج، بما يفاقم اختلالات هيكل الإنتاج ويضغط على المساحات المزروعة.
وتندرج هذه التحوّلات ضمن سياق أوسع شهدته السياسات الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة، اتجه تدريجيًا نحو تقليص الدور التنموي للمؤسسات التمويلية المتخصصة لصالح نماذج مصرفية تجارية، وهو ما أعاد صياغة العلاقة بين الدولة والقطاع الزراعي من علاقة دعم مباشر إلى علاقة تمويل مشروط بالجدوى الاقتصادية.
وعند ربط ذلك بمسار القطاع الزراعي ككل، يتضح أن الأزمة الراهنة للمواسم الزراعية ليست نتيجة عامل واحد، بل حصيلة تفاعل الحرب مع التحوّلات الهيكلية في السياسات الاقتصادية وتراجع أدوات الدولة في الإسناد الإنتاجي، بما يجعل اختلال التمويل جزءًا من اختلال أوسع في بنية الاقتصاد الزراعي.
وبناءً على ذلك، فإن مؤشرات الأداء التراكمية للبنك، عند قراءتها ضمن هذا السياق، تكشف انتقالًا تدريجيًا من نموذج التمويل التنموي إلى نموذج الانكفاء المالي، بما يعكس تحولًا في دور الدولة من فاعل مباشر في الإنتاج إلى متغيّر محدود التأثير في إدارة السوق.
وبذلك، فإن إعادة هيكلة البنك الزراعي بهذا الاتجاه لا يمكن اختزالها في قرارٍ مصرفي أو إجراءٍ فني، بل هي جزء من إعادة صياغة أوسع لمنظومة التمويل الزراعي في السودان. وهذا التحوّل يوسّع الفجوة بين أدوات الدعم من جهة، واحتياجات الإنتاج الفعلية من جهة أخرى، ويحدّ من قدرة القطاع الزراعي على التعامل مع أزماته المتراكمة. وفي لحظةٍ يفترض فيها تعزيز أدوات الإسناد والدعم، يأتي هذا المسار في اتجاهٍ مغاير يضعف تلك الأدوات بدلًا من تقويتها.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.