العيد زمان عيدٌ بأيِّ حالٍ عُدتَ يا عيد: الطفولة حين تصنع المعنى

صحيفة الهدف

أ.د.أبشر حسين

على الرغم من قسوة الظروف الاقتصادية التي تمرّ بها بعض المجتمعات، يظلّ العيد حدثًا استثنائيًا لا يُقاس بوفرة المال، بل بوفرة المعنى. ولعلّ أكثر من يدرك ذلك هو من عاش العيد طفلًا في بيئة بسيطة، حيث كانت التفاصيل الصغيرة تُصنع منها ذاكرةٌ كبيرة.
في طفولتنا، في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، لم يكن العيد يُختزل في ملبسٍ جديد أو مائدة عامرة، بل كان طقسًا متكاملًا يبدأ منذ (يوم الوقفة).
الحلاقة في سوق الموردة لم تكن مجرد تهذيب للشعر، بل كانت إعلانًا مبكرًا لبدء الفرح. والجلوس في دكان حاج حمد، وسط وجوهٍ مألوفة “أبي، وحاج حمد صاحب الدكان، وعم محجوب والد عمر زورو”، وأحاديث دافئة، كان جزءًا من نسيج اجتماعي متماسك، تُعبّر فيه “حفنة تمر يعطيني إياها حاج حمد، ولا أزال أتذكر مذاقها” عن معنى الكرم والانتماء أكثر من أي مائدة فاخرة.
الطفل لا يرى الأشياء كما هي، بل كما يشعر بها. لذلك تبقى في الذاكرة تفاصيل قد تبدو عابرة للكبار:لعبةٌ أُوقِفَت فجأة، أو موقفٌ بسيط مع معلّم، أو طعمٌ لا يُنسى. هذه التفاصيل، في حقيقتها، هي اللبنات الأولى لتشكيل الوجدان.
ثم يأتي فجر العيد، حيث تختلط الروحانيات بالتأمل الوجودي. زيارة المقابر لم تكن مجرد عادة، بل كانت أول احتكاك حقيقي بأسئلة الحياة والموت. نتحرك بالبص الأخضر من أمام دكان الشيخ الكامل، البص يحمل النساء والصغار. الطفل الذي يقف أمام قبر لا يفهم الموت كفكرة نهائية، بل كبداية لتساؤلات عميقة:ماذا يحدث هنا؟ كيف يكون البعث؟ ما الذي يجري في هذا الصمت؟ هذه الأسئلة، وإن بدت بسيطة، إلا أنها تمثل البذرة الأولى للفكر الفلسفي والوعي الإنساني. في مقابر حمد النيل، تقف أي امرأة أمام قبر من فقدته من الأعزاء، أبًا كان أم أمًا أو أختًا أو زوجًا، وتقوم بتقسيم الصدقات لمن حولها. بعد ذلك، ومع شروق الشمس، نرجع إلى الحي، فنجد أن الرجال قد بدأوا في الاستعداد لصلاة العيد.
أما صلاة العيد، فهي مشهد تتكامل فيه الرمزية الاجتماعية مع الجلال الديني. تكبيرات تتردد في الأفق، يتقدمها صوت العم التوم عبد الجليل والعم صديق سطيح، صفوف تنتظم في هيبة، ووجوه يكسوها الوقار. ثم خطبةٌ لا تُلقى فقط، بل تُحفظ وتُردَّد، وتتحوّل مع الزمن إلى جزء من الذاكرة الجمعية. لا يزال عالقًا بذاكرتي مشهد دخول الإمام الفكي أحمد، وصوت عم صديق:(الصلاة قائمة)، فيصطف الجميع، ويمر الفكي أمام الصف الأول كنبيل من نبلاء العصور الوسطى، ويبدأ الصلاة ركعتين بتكبيراتهما الكثيرة، ثم يعقبهما خطبة العيد التي كنت أحفظ كل كلماتها، وأستمتع جدًا عندما يقول الإمام رافعًا عقيرته: “أما عند أبي حنيفة” “ويعني زكاة الفطر”. وعندما يصل الخطيب إلى جزء معين من الخطبة، يرفع سليمان الفكي، والفاضل خميس، وعبد العزيز الصيادي أصواتهم ككورال، أو كأوبرا إيطالية:(يا.. ولد)، فيسرع عدد من الشباب داخل حوش الفكي، ويخرج كل واحد وفي يده صحن كبير، به عصيدة، ونصفه ملاح روب، والنصف الآخر ملاح تقلية، ويقوم بتوزيعها بين الصفوف.
حتى اللحظات التي قد تبدو طريفة، كنداء “يا ولد!” وانطلاق الصغار لجلب الطعام، كانت تعكس نظامًا اجتماعيًا دقيقًا، تُوزّع فيه الأدوار بعفوية، ويُدار فيه الجمع بروح الجماعة لا بروح الفرد.
بعد نهاية مراسم الصلاة تبدأ المعايدة. والمعايدة، بدورها، لم تكن مجرد تبادل عبارات، بل كانت تأكيدًا على ترابط المجتمع. الدخول إلى البيوت دون استئذان رسمي، وتناول الطعام في أكثر من منزل، والشعور بأن الحيّ كله أسرة واحدة.. كل ذلك كان يرسّخ معنى “الأمان الاجتماعي” الذي تفتقده كثير من المجتمعات الحديثة. جرت العادة أن نجتمع كل أهلنا في منزل عبد القادر وعمر يوسف، أبناء عمتي رقية، وأخواتها الجلاد والجنة. بعدها نمرّ على كل بيوت الحي، مستمتعين بالحلوى والتمر ودفء العلاقات الإنسانية.
من منظور نفسي، يمكن القول إن ذكريات العيد في الطفولة ليست مجرد حنين، بل هي “مخزون وجداني” يُعيد تشكيل استجابتنا للحياة في الكِبَر. فالقشرة الأمامية للمخ تستند في قراراتها العاطفية والسلوكية إلى تلك الخبرات المبكرة. لذلك، حين يمرّ الإنسان بظروف قاسية، يعود لا شعوريًا إلى تلك الذاكرة، يستمد منها التوازن والطمأنينة.
أما من منظور اجتماعي، فإن تلك الطقوس البسيطة كانت تمثّل نظامًا متكاملًا للتكافل، يُغني عن كثير من التعقيدات المؤسسية الحديثة. لم يكن هناك تخطيط استراتيجي، لكن كان هناك وعي جمعي عميق بوظيفة العيد:إعادة ترميم العلاقات، وتجديد الروابط، وإحياء المعنى.
يبقى السؤال: لماذا لم يعد العيد كما كان؟
ربما لأننا، حين كبرنا، فقدنا القدرة على رؤية الأشياء بعين الطفل. أصبحنا نُحمّل العيد أكثر مما يحتمل، ونقيسه بمعايير مادية لا علاقة لها بجوهره. بينما الحقيقة أن العيد لم يتغير كثيرًا.. نحن الذين تغيّرنا.
فالطفولة لم تكن مجرد مرحلة عمرية، بل كانت طريقة في الإدراك:البساطة، الدهشة، والقدرة على تحويل القليل إلى الكثير.
ولهذا، كلما عاد العيد، لا يعود كما كان.. لكنه يوقظ فينا ذلك الطفل، الذي ما زال، في مكانٍ ما داخلنا، ينتظر “حفنة تمر” ومزيدًا من التوازن والطمأنينة.

#7_أبريل_1947 #البعث_الفكرة_لم_لن_تموت #البعث_79

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.