هل تعيد الشبكات الاجتماعية كتابة لغة السينما؟

صحيفة الهدف

سفريوي محمد

لم تعد الصورة اليوم مجرد وسيط جمالي داخل العمل السينمائي، بل أصبحت ساحة صراع رمزي بين لغتين بصريتين: لغة السينما بوصفها فنًا مركبًا يقوم على التراكم والتأنّي، ولغة الشبكات الاجتماعية التي تؤسّس لأسلوب بصري جديد، قائم على السرعة، الاختزال، والصدمة. هذا التحوّل لا يمكن فهمه دون العودة إلى ما يشكّل جوهر الصورة السينمائية ذاتها: التكوين، التأطير، وزوايا الرؤية، بوصفها عناصر أسست للغة بصرية منذ ظهور الفيلم كنسق إبداعي مستقل.
السينما، كما قدّم التحليل الكلاسيكي لجماليات الصورة، ليست مجرد “لقطة جميلة”، بل بناء دقيق تتكامل فيه العناصر داخل الكادر وفق غايات واضحة. فالتكوين، في معناه العميق، هو تنظيم للعالم داخل إطار محدود، في الغالب ١٦:٩، حيث لا تُعرض إلا فكرة واحدة مهيمنة على اللقطة، مع إقصاء كل ما هو عرضي. هذه الصرامة الجمالية كانت تاريخيًا شرطًا لإنتاج المعنى، لا مجرد تحسين للشكل.
لكن مع صعود الشبكات الاجتماعية، حدث انقلاب صاخب: لم تعد الصورة تلتقط لتُقرأ، بل لتُستهلك بسرعة. لم يعد التكوين يخضع لقواعد التوازن أو قاعدة الثلث كما في السابق، بقدر ما يخضع لمنطق “الحصول على الانتباه الفوري”. وهنا تتغير القاعدة من “فكرة واحدة لكل لقطة” إلى “أكبر قدر من الإثارة في أقل زمن ممكن”. النتيجة أن الصورة فقدت جزءًا من عمقها لصالح الكثافة.
الأمر نفسه ينطبق على التأطير، ٩:١٦ الأفقي، ففي السينما، التأطير هو اختيار واعٍ لما يدخل في الحقل البصري وما يُطرد خارجه، أي أنه فعل تأويلي بامتياز: المخرج لا ينقل الواقع بل يعيد تركيبه. أما في الشبكات الاجتماعية، فقد أصبح التأطير أقرب إلى فعل تلقائي تحكمه واجهات التطبيقات (القصص، الفيديو العمودي)، ما يفرض شكلًا مسبقًا للصورة. لم يعد الإطار قرارًا جماليًا خالصًا، بل تكيفًا اضطراريًا لقالب تقني جاهز.
أما زوايا الرؤية، التي كانت في السينما وسيلة لبناء الموقف (زاوية علوية لتصغير الشخصية، أو سفلية لمنحها سلطة)، فقد تحوّلت في الفضاء الرقمي إلى مجرد تنويع بصري سريع. ونتيجة لفعل شبه عفوي، فالزاوية لم تعد تحمل دائمًا دلالة مختارة بعناية، بل أصبحت جزءًا من إيقاع بصري سريع يهدف إلى منع الملل، لا إلى إنتاج المعنى.
غير أن هذا التأثير ليس أحادي الاتجاه. فكما أثّرت الشبكات الاجتماعية على السينما، بدأت السينما بدورها تستوعب هذه التحولات. نلاحظ اليوم في الكثير من الأعمال السينمائية حضورًا متزايدًا للقطات القصيرة، الإيقاع المتسارع، وحتى التكوينات البصرية التي تحاكي الفيديوهات العمودية أو لقطات الهاتف. بعض المخرجين لم يعودوا يقاومون هذا التحوّل، بل يوظفونه لإنتاج لغة هجينة تجمع بين العمق السينمائي وسرعة الصورة الرقمية.
لكن هنا يطرح السؤال الحاسم: هل نحن أمام تطوّر طبيعي للغة السينما، أم أمام تفكيك تدريجي لأسسها الجمالية؟
إذا كان الفيلم الطويل، في تعريف الكلاسيكي، فنًا يقوم على الزمن (التدرّج، البناء، الانتظار)، فإن الصورة الرقمية تعيد تعريف الزمن ذاته: كل شيء يجب أن يُفهم منذ البداية. هذا ما قد يعيد تعريف أحد أهم شروط التلقي السينمائي: التأمل. فالمتلقي الذي تعوّد على صور سريعة ومكثّفة، قد يفقد تدريجيًا القدرة والإمكانية على قراءة اللقطات المركّبة أو متابعة الإيقاع البطيء.
ومع ذلك يجب عدم اختزال المسألة في ثنائية الانحطاط أو التقدّم. بل ربما علينا الانتباه لما يحدث، فهو إعادة تشكيل للحس البصري الجماعي. السينما لم تعد وحدها من يحدد قواعد الصورة، بل أصبحت جزءًا من نظام بصري أوسع، تتداخل فيه الخوارزميات مع الذوق العام، والتقنية مع الجماليات.
في النهاية، يبدو أن الرهان الحقيقي ليس في مقاومة أو رفض هذه التحولات، بل في قابلية المبدع على إعادة توظيفها دون التفريط في جوهر اللغة السينمائية. فالسؤال لم يعد: كيف نحافظ على السينما؟ بل: كيف يمكن للسينما أن تظل فنًا منتجًا للمعنى في زمن الصورة السريعة؟
ويظل السؤال مفتوحًا: هل ستنجح السينما في تكييف هذه الجماليات الجديدة داخل منطقها الخاص، أم أنها ستتحوّل تدريجيًا إلى مجرد امتداد طويل لصورة ظهرت أصلًا خارجها؟
– كاتب من المغرب

#7_أبريل_1947 #البعث_الفكرة_لم_لن_تموت #البعث_79

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.