في مسيرة التّاريخ هناك محطات لا تشيخ، بل تستمر مآثرها، بالتّجدد والاستلهام، لأنها دخلت نطاق الخلود بإنجازاتها ومبادراتها الخلاقة، الوطنية والقومية والإنسانية، وتجسيدها لمنطلقات مبادئها وشعاراتها المفصحة عنها، على أرض الواقع وفي ظروف غير مؤاتية، لم تتحجج بها أو تستسلم لها سواء بالتخلي أو التكيّف.
▪️ من هذه المحطات، ثورة 17- 30 يوليو- تموز 1968م في العراق، التي تفجّرت في ظل ظروف استثنائية يعيشها العراق بعد عقد من ثورة 1958م، التي أسقطت الملكية وإعلان الجمهورية، وكانت تخيّم على الوطن العربي أجواء ونفسية ما بعد العدوان الغربي الصـ.ـهيوني الثّاني على مصر في العام 1967م وعلى المنطقة والعالم، حيث تداعيات الصّراع الدّولي على أشُدّها، بين المعسكر الشّرقي بزعامة الاتحاد السّوفيتي السّابق، والمعسكر الغربي بقيادة أمريكا، وكانت موارد وخيرات، بل وقرارات دول العالم الثّالث منهوبة أو مرهونة بدرجة أو أخرى لصالح أحد هذين المعسكرين، أو محاصرةً توجهات التّحرّر والاستقلال عن نفوذهما.
▪️ وكانت حالة الفقر والعوز وانتشار الأمية والجهل، هي السّائدة في العراق وبقية أقطار العروبة، إضافة إلى عدم الاستقرار السّياسي وتفجر الأوضاع عسكريًا في شمال العراق، واحتدام الخلافات والصّراعات العنيفة بين التّيارات السّياسية والفكرية في العراق، المخترق بشبكات الجاسوسية وهيمنة الشّركات الغربية على ثرواته وموارده.
ولكن فرسان البّعث في العراق الذين، نذروا حياتهم لخلاص العراق والنهوض بأمتهم ووقف تداعيات عدوان 1967 وفجرها القادم؛ قبلوا التّحدي، وحملوا أرواحهم على أكفّهم، وتّصدوا لدكتاتورية عبدالرحمن عارف، صبيحة 17 يوليو 1968م.
▪️ وخلال ثلاثة عشر يومًا، في 30 يوليو تحرّرت سلميًا قيادة الثّورة من ثِقل بعض رموز النّظام المباد، الذين تسلّلوا إلى أروقتها، ضمن التّشكيل الوزاري الذي تم الإعلان عنه، تكتيكيًِا، في اللّحظات الحاسمة الأخيرة، مجسدةً بذلك وللوهلة الأولى، البراعة المبدئية، في عدم الغرق في التّكتيك، والتّمسك الدّقيق بما هو استراتيجي، ومنها يكتسب تاريخ 17- 30 يوليو قيمته الثّورية، المبدئية والأخلاقية، وبعد أقلّ من عقد من الزّمان، استطاعت ثورة حزب البعث الوطنية القومية، أن تشقّ طريقًا خاصًا وغير مطروق، وتجسد شعار (الثورة البيضاء) الذي وضع العراق على صدارة الدول المستقلة سياسيًا واقتصاديًا وأجتماعيًا وذات السِّيادة، بتحرير قرارها الوطني من ظلال الاستعمار الحديث وهيمنة الشّركات الإمبريالية والشّركات متعدّدة الجنسيات، بتأميم نفطه بنجاح منقطع النّظير، لصالح شعبه وأمّته، وأحرار العالم، وطرد الشّركات الأجنبية التي كانت تحتكر هذا المورد الهام. ويكتسب هذا القرار قيمة مضافة، بنجاحه، بعد تمكّن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين، من إجهاض تجارب سابقة، بتدبير انقلابات، كان آخرها في ذلك الوقت، في إيران، ردًا على قرار التّأميم الذي أعلنه مصدق. مقرونًا بتحويل بيان 11 آذار 1970 إلى حل سلمي ديمقراطي للمشكلة الكردية شمالي العراق بتحقيق الحكم الذاتي، في إطار وحدة العراق.
▪️ وبقفزات هائلة ومتسارعة، في التّنمية الزّراعية والصّناعية، والثّورة العلمية، وبناء مجتمع وجيش جديدين، تمكّن عراق الثّورة من إحداث نهضة انـ.ـفجارية نظيفة ومتوازنة، في كل المجالات، ظل الإنسان هو القيمة العليا من ورائها، لم تقتصر مُحصّلة فوائدها وعبقرية منجزاتها، على العراق والعراقيين وحدهم، بل شملت كل العرب والعديد من الدول الإفريقية والآسيوية، حيث فتحت عشرات الجامعات والمعاهد العليا، التي أُنشئت على قاعدة مجانية وإلزامية وديمقراطية التّعليم، أبوابها، لطُلاب العلم والمعرفة والدراسات الوسيطة والعليا، واستقبلت محافظات العراق المختلفة الملايين من العمال والفلاحين العرب، بلا قيود في دخول العراق والإقامة المجانية فيه، فكانت أرض بلاد الرافدين في ظلّ ثورة يوليو ونظام الحكم الوطني، أرض لمن لا أرض لهم، ووطن لمن أوجعتهم كرامتهم، حيث نَعِم جميع العرب بحرية الحركة والعمل والتّعليم والعلاج والتّملك، مثلهم مثل العراقيين سواء. ولم تقف ثمار تجربة يوليو – تموز الخالدة عند إحداث التّنمية والنّهضة العلمية وتغيير حياة العراقيين إلى ما هو أفضل وِفق كل المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية ومستوى الخدمات التي تقدّمها الدولة؛ بل ذهبت إلى تعديل ميزان القوى والصّراع الدولي، لمصلحة الأمن القومي العربي، بمساهمات جدية لتفعيل منظّمة دول عدم الانحياز والحياد الإيجابي والعمل العربي وِفق مبادئ الإعلان القومي، لتقوم بدورها في خدمة دول العالم الثّالث، لإبعادها عن الاستقطاب والاصطفافات وتوظيف العلاقات الدولية، لخدمة مصالح الشعوب ومراعاة خصائصها الوطنية والقومية في بناء أنظمتها السّياسية والاقتصادية المعبّرة عنها، وأبدعت تموز في تجسيد شعار (نفط العرب للعرب) واستخدمته كسلاح في معارك الأمة، وفي دعم وإسناد الأقطار العربية والدول الإفريقية والعربية، دون شروط، وفي جعل النّفط، شريان الحياة، وسلعة إستراتيجية قابلة للنّضوب، من خلال دور الحكومة العراقية، مع الدول المنتجة والمصدره له، لضمان رعاية مصالح المنتجين والمستهلكين معًا، والتّوازن المطلوب بين العرض والطّلب، وهو ما جرّ عليها عداوات لا قِبل لأي نظام بها، ولكنها مضت بعزيمة أبطالها، ووفائها للمبادئ، لتحقيق مشروعها الوطني والقومي والإنساني، ومن أبرز معالمه، دعم القضية الفـ.ـلسطينية دعماً مُطلقًا ودون شروط، وفي كل الأحوال، والعديد من الأقطار العربية، ومنها السُّودان، بما في ذلك دعم قواته المـ.ـسلحة، تدريبًا وتسـ.ـليحًا ورفع قدراته، وكافة قضايا التّحرر في دول العالم الثّالث، ومثلما تجمّع أعداء كثر، كردّ فعل لنهج الاستقلالية الوطنية والقومية وتحرير الثّروات الوطنية وفي مقدمتها النفط والفوسفات، فقد أضافت وكسبت الثّورة رصيدًا وافرًا من العلاقات المتينة والصّداقات البناءة مع أحرار العالم، والدول المحبة للسّلام والباحثة عن التنمية والنهضة والاستقرار، بعيدًا عن أساليب الهيمنة والتّسلط والتدخل في الشؤون الداخلية.
▪️ إن مأثرة ثورة يوليو – تموز 1968م، أنها أخلصت لمبادىء وفكر ونضال حزب البعث، وأبدعت في تطبيقها وفق نظرية العمل البعثية، وإنزالها على أرض الواقع، والاستماتة والمطاولة في الدّفاع عنها، وستظل نبراسًا يهتدي به ثوار وماجدات وشعب العراق ومقاومته وقواه الوطنية، حتى تحرير العراق من كل أشكال الهيمنة والمؤامرات وإفرازات الغزو والاحتلال وعمليته السياسية، وستبقي 17 تموز- يوليو، تجربة متفرّدة ينهل منها الوطنيين والقوميين بشكل خاص، وأحرار العالم في سعيهم نحو حرية أوطانهم وتنميتها واستدامة الدّيمقراطية المرتبطتين بالعدالة والسّيادة، في عالم متعدّد الأقطاب تتسيّده قيم الحوار الحضاري، مجردًا من الهيمنة والعنـ.ـصرية والصـ.ـهيونية وتُحترم فيه حقوق الإنسان والخصائص الوطنية والقومية للأمم والشُّعوب.
▪️ وسيتذكّر العراقيون مع مرور الذّكرى 58 لثورة تموز، كيف كانت النزاهة والعدالة والتّعامل مع المال العام، وكيف ظل قادتها رجال دولة من طراز نادر، وفي خدمة الشّعب، وفي أن يظل العراق موحدًا مزدهرًا ناهضًا مستقلِا، وطنًا للعراقيين كافة. وهم يرون اليوم، بعد الثُّريا عن الثّري، كيف تعيث عصابات اللّصوص والمجرمين الفاسدين الخاضعين لولاءات الخارج فسادًا في الأرض، وتنهب خيراتهم وأموالهم وتخرّب في قيم الشّعب وموروثاته بعد أن أفقدوا العراق هيبته ووحدته وتعايشه السِّلمي وسيادته وسلامة أراضيه وحدوده.
▪️ المجد والخلود لشهداء ولقادة تموز ومفجريها الأبطال وللمخلصين لها القابضين على جمر مبادئها ونهجها.
▪️ التّحية والمجد لأبطالها ورموزها الذين قرنوا القول بالعمل، وقهروا المستحيل، وبددوا الصعاب، ومازالت مآثرهم، في شتي الميادين، باقية في سفر الخالدين.
حزب البعث العربي الاشتراكي (الأصل)
كلمة الهدف
2026/7/17

Leave a Reply