وردي: قيثارة الغناء.. النهر الثالث

صحيفة الهدف

محمد الحاج

​منذ زغب البدايات وأنمار الصبا الأول، كان وردي فينا،   شعاع ضوء  ينث من أغوار بعيده يكحّل أهداب الحياة ، يضيء عتمة الليل ويزين شحوب النهار،شميم ورد ورائحة طيوب، إستنشقناه مع  عبق الطين ودعاش المطر. يأتي صوته  كفرس جامح يشدُّك إلى “الهنا” ويركض بك إلى “الهناك”، مرتسماً كقوس في سماء الروح، ومنحدراً كنهر  يصب في دلتا القلب.

​وردي.. هو الصوت الذي غنى للحب و الحزن والفرح، للبعد والغربة، للثورة والناس، وللنيل والأرض والوطن.

 قوس قزح الغناء السوداني، وطائر المطر الآتي يرفُّ كنداءٍ يحملُ أطيافَ البعيد، مضمَّخاً بصهيلِ خيلِ الأجداد، ومُوشّى بنقوشِ الزقّورات ومسلاتِ الأزمنة السحيقة. شامخاً كنخلةٍ بين نهرين، مثقلٌ بعراجين الاحلام واختلاجات القلوب، وهدهدة الأمهات، نبعٌ يرشحُ من مسامِ الذاكرة، مضرج بنداءات الشوق، ولوعة الغربة ولواعج الحنين، وصبوات العشق الأولى. صوتٌ يصلصلُ كقيثارٍ شجيٍّ في مفازاتِ الوجد، وينداحُ كمزاميرِ الرعاة في فلوات الوجود، يهسهس في قصب الروح، يروّضُ قلقَ العشيّات، يفلّي ريش الحزن القديم، ويضاحكُ الفرحَ المراوغ. يَهْمِي كغيمةٍ على رمش الحياة المثلومة بالخسارات، يلمع كبرق في سماء الأفق المسدود، ليرفأ فتقَ الروح، ويُرمّمُ صدعَ الوطنٍ الغارق في الوجع.

​وردي.. الصوت المجنّح والمقصّب بذهب المعاني، يأتي شاهقاً كورد السهوب، وناصعاً كزهرة البراري يضوع في أعالي رهوات الوجد. ينسرب كصلصلة أجراس الرحيل، وسلسال الماء على الحصى ، يترقرق في بحيرات الشعر ويتمرغ في باحات المعنى.

​نابضٌ بالمحبة، يُقطّر في حلق الحياة الجافة قطراتٍ من عصير الخلود، ويترك أثراً ونقشاً على أفاريز الروح المهدودة بالتعب.

يأتي صوته كإتكاءه على جذع الحنين وتهويدة على الأراجيح القديمه ، ترنيمة تتلفع بثوب العشق، ناظمةً مسبحةً من خرز المحبة، وناسجةً مناديل مضرجة بتنهدات ومخامرات الشوق. يجول بك في أمكنة موشومة في الذاكرة، ومنقوشة كأباهيم طير على؛ صلصال الروح.

​بانثيالات صوته يرممُ جرار الذكرى، يلوّح لشموس غاربة وعشيات حمى، وحداء أصوات حالمة.

وردي..  نهر لايجف وأيقونه لم تنكسر وناي يحوّل الوجع إلى قصيدة حب، صوتٌ غرسَ زهرةَ الخلود في مَرجِ الغناءِ السوداني ومضى، بعد أن لوّنَ دواخلنا بالجمال، وبقي موشوماً فينا ، كقرص شمسٍ  في ندأة الغروب، و تلويحة وداع تنده في قفا حيوات وحيوات تعدو في غيابة البعيد

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.