محمد وردي.. المعلّم الذي حدّث روح الأغنية السودانية

صحيفة الهدف

محمد شريف

لا يزال رحيل “فنان إفريقيا الأول” محمد وردي يترك فراغًا لم تسدّه الأيام، ليس فقط لجمال صوته، بل لتلك العبقرية الموسيقية التي يرى الكثير من النقاد أنها أحدثت انقلابًا مفاهيميًا في بنية الأغنية السودانية. وفي قراءة متأنية لمسيرته، تتبلور أربعة محاور أساسية يتفق عليها المتخصّصون كركائز فريدة ميّزت عبقريته، معززة بنماذج من أعماله الخالدة:

أولًا: الثورة الأوركسترالية وتحديث الأدوات

يرى النقاد أن وردي كان “مهندس” التحديث في الفرقة الموسيقية السودانية. ففي الوقت الذي كانت فيه الأوركسترا تعتمد على القوالب التقليدية، تجرأ وردي على إدخال آلة الأورغن ودمج الآلات النحاسية (Brass) كالساكسفون والترمبيت بشكل أساسي في البناء اللحني. هذا التوجه لم يكن مجرد إضافة عددية، بل كان تغييرًا في “هارموني” الأغنية، مما جعل ألحانه في الستينيات والسبعينيات تسبق عصرها وتضاهي التوزيعات العالمية.

ثانيًا: ترويض السلم الخماسي وانفتاحه الكوني

من أعقد القضايا الفنية التي يناقشها النقاد هي كيفية تعامل وردي مع السلم الخماسي. يشير الباحثون الموسيقيون إلى أن وردي استطاع بعبقرية نادرة “تطويع” هذا السلم ليمنحه أبعادًا توحي بالانفتاح على السلم السباعي، دون أن يفقد الهوية السودانية الأصيلة. لقد جعل من الخماسي لغة موسيقية عالمية، قادرة على استيعاب جمل لحنية معقدة وتوزيعات كلاسيكية تذهل السامع من الوهلة الأولى.

ثالثًا: الأداء الدرامي والحضور المسرحي القيادي

لم يكن وردي بالنسبة للنقاد مجرد مطرب يمتلك حنجرة ذهبية، بل كان “مؤديًا دراميًا” من الطراز الرفيع. يركّز النقاد على قدرته الفائقة في تلوين صوته (Vocal Coloring) ليتناسب مع الحالة الشعورية للنص. كما أرسى وردي أدبًا جديدًا في “الوقوف على المسرح”، حيث تحوّل من مؤدٍ ساكن إلى قائد أوركسترا حركي، يتفاعل بجسده وعينيه مع كل نوتة، مما خلق لغة تواصل بصرية لم تكن مألوفة من قبل.

رابعًا: ريادة الأغنية الرمزية والملحمة الوطنية

يشدّد النقاد على أن وردي هو من نقل الأغنية السودانية من “الرومانسية المباشرة” إلى آفاق الرمزية السياسية والاجتماعية. فمن خلال تعاونه مع كبار الشعراء، استطاع صياغة ألحان ملحمية تدمج بين الوجدان الفردي والهم الجماعي، محولًا الفن من وسيلة للترفيه إلى أداة للتغيير والوعي القومي.

“الود”: معجزة البناء الموسيقي والتوزيع

يستشهد النقاد بأغنية “الود” (كلمات قرشي محمد حسن) كنموذج تطبيقي لعبقرية وردي في التوزيع. يرون أن هذه الأغنية تمثل “سمفونية سودانية” مصغّرة؛ حيث برز فيها استخدام الكاونتر بوينت وتعدد الأصوات الموسيقية بوضوح. المقدمة الموسيقية الطويلة لـ”الود” وما فيها من حوارية بين الكمنجات والآلات النفخية جعلت منها مرجعًا لتدريس كيفية استنطاق السلم الخماسي بآلات كلاسيكية، وكيف يمكن للحن العاطفي أن يحمل عمقًا فلسفيًا وتوزيعًا أوركستراليًا مبهرًا.

“يقظة شعب”: الملحمة التي هزت وجدان الأمة

أما في مضمار الأغنية الوطنية، فتعتبر “يقظة شعب” (كلمات مرسي صالح سراج) الذروة التي تجلت فيها قدرة وردي على صياغة “الأوبريت” الملحمي. يشير النقاد إلى أن وردي استخدم توزيعًا “مارشاليًا” قويًا يتسق مع عظمة الحدث الوطني، حيث وظف الكورال والآلات النحاسية لبعث روح الحماس. الانتقالات اللحنية في هذه الملحمة تعكس قدرة فائقة على السيطرة على المسارات اللحنية الطويلة، مما جعلها ليست مجرد نشيد، بل “إعلانًا موسيقيًا” عن هوية السودان الحديث وعنفوانه.

إن عبقرية محمد وردي، في نظر النقاد، تكمن في قدرته المذهلة على الموازنة بين الأصالة والحداثة؛ فهو لم يتخل عن “الطار” النوبي ولا “الإيقاع” السوداني، لكنه في الوقت ذاته طار بهما إلى آفاق الموسيقى المعاصرة، ليظل المعلم الذي تنهل منه الأجيال.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.