اللاجئ السوداني في دول الجوار: من بلدٍ كان ملاذاً للفارين إلى شبكة نزوح تبحث عن الأمان

صحيفة الهدف

#الهدف_تقارير

لم يكن السودان في تاريخه الحديث مجرد بلد يعاني من النزاعات، بل كان أيضاً ملاذاً واسعاً للاجئين من دول الجوار الأفريقي، استضاف على مدى عقود موجات متتالية من الإريتريين والإثيوبيين والتشاديين وغيرهم. لكن مع اندلاع الحرب في أبريل 2023، انقلب هذا الدور التاريخي، وتحول السودان نفسه إلى مصدرٍ لإحدى أكبر موجات النزوح في الإقليم، في مشهد يعيد رسم خريطة الهجرة في القرن الأفريقي بصورة حادة ومفتوحة على المجهول.

وفق تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، دفعت الحرب ملايين السودانيين إلى النزوح داخل البلاد وخارجها، في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية المعاصرة. لكن ما يميز هذه الموجة ليس حجمها فقط، بل امتدادها إلى دول متعددة، تتغير فيها الجغرافيا بينما يبقى الخطر ثابتاً بأشكال مختلفة.

داخل السودان، وثّقت تقارير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية انهياراً واسعاً في الحماية المدنية، وعمليات تهجير قسري وق.تل واستهداف للمدنيين، خصوصاً في دارفور والخرطوم، ما دفع موجات بشرية ضخمة إلى الفرار نحو الحدود دون تخطيط أو موارد أو شبكات حماية.

لكن عبور الحدود لم يكن نهاية الأزمة، بل بداية مسارات متعددة من اللجوء.

بيئات غير آمنة:

في إثيوبيا، وتحديداً في إقليم أمهرة، تحولت بعض مخيمات اللاجئين إلى بيئات غير مستقرة أمنياً. تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش لمراقبة حقوق الإنسان (17 أكتوبر 2024) وثّق تعرض لاجئين سودانيين إلى ق.تل واعتداءات جسدية واختطاف مقابل فدية ونهب واسع للممتلكات، إضافة إلى العمل القسري، في سياق انعدام الحماية وتوسع نشاط جماعات مسلحة. وقد دفع ذلك بعض اللاجئين إلى مغادرة المخيمات نحو الغابات أو مناطق مفتوحة بحثاً عن الحد الأدنى من الأمان، وقد تم اللحاق بهم والاعتداء عليهم حتى علت اصواتهم مطالبة بحمايتهم وترحيلهم بعد تسجيل حالات اعتداء وتحرش ونهب.

https://www.hrw.org/news/2024/10/17/ethiopia-fighting-abuses-putting-sudanese-refugees-risk⁠�

وفي تشاد، التي استقبلت أكبر موجة من اللاجئين السودانيين منذ اندلاع الحرب، تتقاطع الاستجابة الإنسانية مع ضغط هائل على البنية الضعيفة أصلاً. تقارير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (2024–2025) تشير إلى مئات الآلاف من اللاجئين في مخيمات حدودية مكتظة تعاني من نقص الغذاء والخدمات الأساسية، رغم استمرار جهود الإغاثة التي تبقى أقل من حجم الاحتياج، وقد شهدت ايضا معسكرات اللجوء هجمات اودت بحياة بعض اللاجئين واصابة اخرين.

أما في جنوب السودان، فإن اللاجئ السوداني يدخل إلى بيئة لم تغادر بعد دائرة النزاع. تقارير بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان وثّقت استمرار العنف ضد المدنيين، بما في ذلك القتل والاختطاف والعنف الجنسي في سياق اشتباكات محلية متكررة، ما يجعل الحماية غير مستقرة ويضاعف هشاشة الوضع الإنساني، وقد تاثر وضع اللاجئ السوداني بمواقف حكومة بورتسودان من اللاجئ الجنوب سوداني حيث ثبت حالات من الاعتداء على السودانيين لدرجة تدخل السلطات في جوبا لحمايتهم.

انتهاكات مسلحة:

وفي جمهورية إفريقيا الوسطى، يتداخل غياب الدولة مع تمدد الجماعات المسلحة في مناطق الشمال، حيث تشير تقارير الأمم المتحدة (2025) إلى انتهاكات تشمل النهب والعنف والاعتداءات ضد المدنيين في سياق نزاع مسلح مستمر وانعدام سيطرة مركزية فعالة.

وفي مصر، تتخذ الأزمة طابعاً قانونياً أكثر من كونها أمنياً مباشراً، حيث وثّقت تقارير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومنظمات حقوقية خلال 2024–2026 حالات اعتقال مرتبطة بوضع الإقامة، وصعوبات في إجراءات اللجوء، إضافة إلى ترحيل في بعض الحالات، وثبوت وفيات في الاحجز والترحيل، ما يضع اللاجئ في دائرة ضغط إداري وقانوني مستمر.

وفي ليبيا، تبلغ المأساة ذروتها في أكثر أشكالها قسوة. تقارير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (2026) وثّقت نمطاً واسعاً من الانتهاكات ضد المهاجرين واللاجئين، يشمل الاحتجاز التعسفي والتعذيب والابتزاز والعمل القسري والعنف الجنسي، ضمن منظومة تهريب واستغلال بشري تعمل كاقتصاد موازٍ خارج القانون.

وتشير تقارير وتحقيقات ميدانية إلى اكتشاف جثث لمهاجرين، بينهم سودانيون، في مواقع احتجاز غير رسمية ومزارع يُشتبه باستخدامها من قبل شبكات تهريب، إضافة إلى تحرير محتجزين في بعض المداهمات الأمنية. هذا النمط لا يظهر كحوادث منفصلة، بل كمنظومة متكررة تعكس انهيار الحماية وغياب السيطرة، ما يجعل ليبيا واحدة من أخطر بيئات الهجرة في العالم.

وفي السياق الإقليمي الأوسع، تمتد مسارات اللجوء السوداني إلى دول غير حدودية، لكنها أقل كثافة وأكثر ارتباطاً بالهجرة الثانوية.

في كينيا، يتمركز السودانيون غالباً في المدن الكبرى مثل نيروبي، ضمن نظام لجوء تديره المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إلا أن بطء الإجراءات وصعوبة الاندماج الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة تجعل الاستقرار هشاً رغم وجود إطار قانوني أفضل نسبياً.

استضافة مفتوحة:

أما في أوغندا، فتبرز سياسة “الاستضافة المفتوحة” التي تمنح اللاجئين حرية نسبية في الحركة والعمل، لكنها تصطدم بضعف التمويل وضغط الخدمات، ما يجعل الاستقرار قائماً على دعم إنساني طويل الأمد أكثر من كونه اندماجاً اقتصادياً مستقلاً.

وفي رواندا، يبقى الوجود السوداني محدوداً جداً، ويتمثل في أفراد وطلاب أو مقيمين لأغراض عمل، ضمن نظام لجوء منظم لكنه محدود القدرة على الاستيعاب.

أما في دول الخليج، فلا يوجد نظام لجوء رسمي، إذ يعتمد الوجود السوداني على الإقامة المرتبطة بالعمل أو التأشيرات. وقد استقبلت بعض الدول أعداداً من السودانيين بعد الحرب عبر تسهيلات مؤقتة، لكن دون منح صفة لجوء قانونية دائمة، ما يجعل الاستقرار مرهوناً بالوضع القانوني والتوظيف.

ورغم ضخامة هذه المأساة الممتدة عبر عدة دول، يبرز فراغ آخر لا يقل قسوة عن واقع النزوح نفسه، يتمثل في ضعف وتشتت الأدوار الرسمية والدولية في حماية اللاجئين السودانيين. فعلى مستوى الدولة السودانية، ورغم تاريخ طويل من استقبال اللاجئين من دول الجوار، تبدو قدرة المؤسسات الرسمية اليوم محدودة في مواكبة حجم الكارثة الإنسانية، في ظل استمرار الحرب والانقسام السياسي وتعطل أدوات الحماية القنصلية والدبلوماسية الفاعلة لمواطنيها في الخارج.

وفي المقابل، لا تبدو الاستجابة الدولية، ممثلة في وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، قادرة على سد الفجوة بين حجم الاحتياج والموارد المتاحة. فبرغم تقارير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية المتكررة حول اتساع الأزمة، إلا أن فجوات التمويل وضعف الوصول الميداني في بعض المناطق ينعكس مباشرة على أوضاع المخيمات، وخدمات الحماية، وبرامج الدعم القانوني والاجتماعي، ليبقى جزء كبير من اللاجئين في منطقة رمادية بين الاحتياج وعدم القدرة على الاستجابة الكاملة.

هذا التداخل بين غياب الدولة أو ضعفها، وتباطؤ الاستجابة الدولية، خلق واقعاً يتقدم فيه اللاجئ السوداني بلا مظلة حماية واضحة: لا دولة قادرة على الوصول الكامل إليه، ولا منظومة دولية قادرة على تغطية احتياجاته بالقدر الكافي، ليبقى محاصراً بين هشاشة الداخل وحدود الخارج.

في النهاية، تكشف هذه الرحلة الممتدة أن اللجوء في الحالة السودانية لم يعد انتقالاً من خطر إلى أمان، بل انتقالاً بين مستويات متعددة من الهشاشة، حيث تتغير الجغرافيا بينما يبقى الإنسان في موقع المكشوف دائماً.

ويبقى السؤال الإنساني معلقاً أمام العالم:

إذا كان نظام اللجوء قد وُجد لحماية الإنسان من الحرب… فكيف أصبح في بعض الحالات امتداداً لها بأشكال أخرى؟

تم إعداد هذا التقرير وصياغته تحريرياً بالاستفادة من أدوات مساعدة للذكاء الاصطناعي، مع اعتماد كامل على مصادر أممية وحقوقية موثوقة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.