يوسف الغوث
يعتبر كثير من الفلاسفة أن جمال الأصوات الغنائية حالةٌ تجريدية تلامس العقل، وتعبّر عمّا لا يمكن وصفه بالمفردات. فقد ارتبط جمال الصوت تاريخياً بالقدرة على الشفاء، والهروب من قسوة الحياة، وفهمها بشكل أعمق. فالصوت الشجي يمثل حالة وجدانية شاملة تعبّر عن فترة زمنية ممتدة، وهو جسرٌ رابط بين المحسوس والمعقول، ومادة خصبة للتأمل الفلسفي.
يُعد محمد وردي، واسمه الكامل محمد عثمان وردي، والمولود في 19 يوليو 1932 بقرية صواردة الواقعة جنوب مدينة عبري شمال السودان، استنطاقاً للميتافيزيقيا في جمال ونقاء الصوت.
نشأ محمد وردي يتيماً، وتربّى في كنف عمّه. درس تعليمه الأولي في صواردة، ثم انتقل إلى مدينة شندي لإكمال تعليمه، وبعدها عمل معلماً في وادي حلفا. ثم التحق بمعهد التربية الخاص بتأهيل المعلمين في شندي.
تنقّل وردي بين مدارس حلفا وشندي وعطبرة، إلى أن استقر به المطاف في مدارس الديوم الشرقية بالخرطوم، والتي كانت آخر محطاته في مسيرة التعليم، قبل أن يقدّم استقالته من التدريس عام 1959.
بدأت مسيرته الغنائية منذ نعومة أظافره، فقد كان فناناً بطبعه، غير أن انطلاقته الحقيقية كانت عام 1953، حين انتُدب ممثلاً لمعلمي السودان في مؤتمر تعليمي انعقد بالخرطوم. ومن هناك بدأت رحلته الفنية، وذاع صيته تدريجياً.
كان عام 1957 عاماً حاسماً في مسيرته، إذ أُجيز صوته رسمياً عبر الإذاعة السودانية، فشكّل ذلك نقطة تحول مفصلية في انتشاره.
تأثر وردي في بداياته بالفنان إبراهيم عوض، وكان يردد أغانيه. وفي إحدى زيارات إبراهيم عوض إلى حلفا، التقى بوردي وأُعجب بصوته، وطلب منه الانتقال إلى الخرطوم لتطوير أدائه ومواصلة مشواره الفني.
غنّى وردي لعدد من الشعراء، أمثال الجيلي عبد الرحمن، ومحمد الفيتوري، وإسحاق الحلنقي، كما شكّل ثنائية فنية كبيرة مع الشاعر إسماعيل حسن.
التحق بمعهد الموسيقى والمسرح عام 1969، وقبل أن يُكمل دراسته اعتُقل عام 1971 لمدة عام. وبعد إطلاق سراحه، اتجه إلى إنتاج أعمال ذات صبغة مختلفة، تدعو إلى الحرية والتحرر، مثل أغنية “بناديها” للشاعر الكبير محجوب شريف.
كان وردي مناهضاً للأنظمة الشمولية، وظهر ذلك جلياً بعد عام 1989، حين غادر السودان ليقضي ثلاثة عشر عاماً في المنفى الاختياري.
وفي عام 2005 مُنح درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة الخرطوم، تقديراً لمسيرته الفنية وإسهاماته في رفد مكتبة الأغنية السودانية بأكثر من 300 عمل.
توفي محمد وردي يوم السبت 18 فبراير 2012، ودُفن بمقابر فاروق في الخرطوم.
لقد كان وردي متفرداً بوعي قومي ووطني عميق؛ فقد جسّدت مفردات أغانيه تنوّع قبائل السودان، وعبّرت عن قومية لا تتقاطع مع الوطنية، بل تتكامل معها في نسيجٍ واحد.
اللهم اغفر لفنان أفريقيا وردي.

Leave a Reply