ماجد الغوث
منذ فجر الاستقلال، ظل السودان يعاني من (انفصام بنيوي) في تفكيره الاقتصادي. فبينما كانت الأرض تفيض بالخيرات في أطرافه الشاسعة، كانت عقول النخب المركزية تحاصر هذا العطاء بسياسات مشوّهة ورثتها عن الاستعمار، وعجزت عن تطويره. والنتيجة لم تكن فقراً عارضًا، بل كانت عملية (خنق ممنهج للريف) وتدمير متعمد للإنتاج التقليدي الذي ظل يمثل عبر العصور (العمود الفقري) للأمن الغذائي السوداني.
سياسة الجزر المعزولة
إن المأساة بدأت بتحويل التنمية إلى (امتياز جغرافي). فبينما كانت الدولة توجه القروض والاستثمارات والبنى التحتية نحو القطاع المطري المروي المرتبط بالتصدير (مثلث الوسط)، كان القطاع (المطري والتقليدي) في غرب وشرق وجنوب السودان يواجه الإهمال التام. هذا القطاع الذي يعيل أكثر من 70% من السكان، تُرك يواجه تقلبات المناخ والأسواق دون حماية أو دعم تقني، مما حول المنتجين من (قوة اقتصادية ضاربة) إلى (ضحايا للفقر والنزوح).
التهميش كوقود للنزاع
لم يكن تدمير الريف مجرد خسارة في الناتج المحلي، بل كان الشرارة الأولى للحرائق السياسية. فعندما تغيب (خطط التنمية الريفية المتوازنة)، وتتلاشى الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وطرق، يجد إنسان الريف نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما النزوح نحو مدن المركز لتزدحم العشوائيات، أو البحث عن الكرامة والحقوق عبر فوهة البندقية. ومن هنا ولدت (الحركات المطلبية) التي لم تكن في جوهرها إلا احتجاجًا على (الظلم التنموي).
تآكل الهوية الإنتاجية
أخطر ما فعله خنق الريف هو تدمير (الولاء للأرض). فقد تحولت السياسة من (بناء اقتصاد وطني) إلى (محاصصة وتقاسم الثروة) بين النخب. وبدلاً من أن تكون الزراعة والرعي مهناً تفتخر بها الأجيال، أصبحت عبئًا يهرب منه الشباب نحو السراب في المدن أو في بلاد الاغتراب. هذا التجريف البشري هو الذي أفقد الدولة السودانية هويتها كـ (سلة غذاء)، وحولها إلى دولة تستورد قمحها وغذاءها.
لا مفر من العودة للجذور
إن استقرار السودان وتجاوز أزماته السياسية والحروب لن يبدأ من طاولات المفاوضات في الفنادق الفاخرة، بل يبدأ من (رد الاعتبار للريف). إن التنمية المتوازنة ليست (منحة) من المركز للأطراف، بل هي ضرورة بقاء. فإما أن ينهض الريف ليرفد الدولة بالقوة، أو ستظل الدولة غارقة في صراعات الهامش الذي خنقته بيديها.
لقد حان الوقت لفك الحصار عن الإنتاج التقليدي، لتعود الأرض سيدةً والمزارع كريماً، والوطن واحدًا لا يقبل القسمة على (مركز ومهمش).
#السودان #الريف_السوداني #الخطيئة_الاقتصادية #الأمن_الغذائي #الزراعة #التنمية_الريفية #عدالة_تنموية #ملف_الهدف_الاقتصادي #رد_الاعتبار_للريف #السودان_الغني

Leave a Reply